: بحوث علمية
طباعة

  : بحوث علمية
من جحد وجوب الصلاة فقد كفر وكذا من تركها تهاونا وكسلا على القول الصحيح
 

 

 

 


بحوث فضيلة الشيخ : زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

مسألة : من جحد وجوب الصلاة فقد كفر وكذا من تركها تهاونا وكسلا على القول الصحيح

الشرح : هذه المسألة من فرعين

الفرع الأول : الجحد لوجوبها

الفرع الثاني: الترك لها تهاونا أو كسلا من غير جحود فأما الفرع الأول :

أن من  جحد وجوبها فإنه كافر بإجماع العلماء لأنه كذب الله الذي ذكر وجوبها في كتابه وكذّب النبي صلى الله عليه و سلم الذي ذكر وجوبها في سنته وكذّب إجماع المسلمين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه و سلم ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) فمن جحدها فقد كفر ولو صلى لأن العبرة ليست بالفعل فقط وإنما مع الفعل أن يضم إليه الاعتقاد ونظير هذا الحكم من جحد ركنا من أركانها قد اجمع العلماء عليه وكل هذا إذا لم يكن حديث عهد بكفر فان مثل هؤلاء يجهلون أو من نشأ في بادية نائية لا يسمع بشيء عن الدين إلا النزر اليسير فإنه لا يكفر ولكنه يعرف ويعلم فإن أصر على الجحود كفر وإذا كفر فإن حكمه القتل لأنه من المرتدين وقد قال النبي كما في صحيح البخاري ( من بدل دينه فاقتلوه )

وهل يستتاب أي يحبس ويقال له تب فإن لم يتب قتل أو لا يلزم أن يُستتاب ؟

حكم الاستتابة عموما في حق من ارتد عن الدين اختلف فيه العلماء فبعض العلماء يقول انه يُستتاب وذلك أن عمر  اُُعلم بأن هناك رجلا ارتد فقُتل فقال ( هلا حبستموه ثلاثة أيام و اطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه اللهم إني لم أعلم ولم آمر ولم أرض )

القول الثاني : انه لا يُستتاب لأن النبي قال ( من بدل دينه فاقتلوه ) ولم يقل فاستتيبوه 0

القول الثالث : أن الأمر موكول إلى ما يراه القاضي أو الحاكم حسب ما تقضيه المصلحة وهذا القول هو قول حسن لأنه جمع بين القولين مع العلم بأن أثر عمر قد ضعفه الألباني  ، وتارك الصلاة جحودا أو تهاونا أو كسلا يشاع أمره ويذاع خبره حتى ينزجر هو وغيره

 وأما الفرع الثاني : إن تركها تهاونا وكسلا مع الإقرار بوجوبها فقد اختلف فيه العلماء : هل يكفر أم لا يكفر ؟

القول الأول : أن التارك لها تهاونا وكسلا لا يكفر وممن يرى هذا من المعاصرين الألباني وهذا ما قرأته قديما له ولا أدري حصل تراجع أم لا على كل حال هذا قول قديم وهو أنه لا يكفر وأدلتهم ما يأتي

1-   قوله تعالى [إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يشاء] {النساء:116}  فيكون معنى ( ويغفر ما دون ذلك ) أي ما سوى ذلك0

2-   قول النبي كما في الصحيحين ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )

3-   حديث عبادة بن الصامت ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) وليس للصلاة ذكر فقد يأتي ببعض العمل ليس فيها الصلاة مع توحيده فيدخل الجنة

4-   ما جاء في سنن ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ( يَدْرُس الإسلام كما يدرس وَشْيّ الثوب )  و يدرس : يعني يبلى  ،والوشي : يعني زخارف الثوب  ، قال ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ) إلى أن قال صلى الله عليه و سلم ( فيبقى طائفة فيهم الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة لا يعرفون صلاة ولا صياما ولا صدقة ولا نسكا يقولون أدركنا أباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فقال صلة لحذيفة أتنجيهم هذه الكلمة وهم لا يعرفون صلاة ولا صياما ولا صدقة ولا نسكا  ؟ فأعرض عنه حذيفة قالها ثلاث مرات ثم قال حذيفة ( تنجيهم من النار ) قالها ثلاثة فهذه الأدلة تدل على عدم كفره ولأن الأصل في المسلم هو الإسلام  ولا نخرج من هذا إلا بيقين

القول الثاني : ان تارك الصلاة تهاونا وكسلا يكفر ويستدلون بما يأتي :-

1-       قوله تعالى [فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ َ] {التوبة:11}  فدل على أن الصلاة إذا لم تؤدى فليسوا بإخوة لنا في الدين، والأخوة الدينية لا تنتفي بالفسق والكبيرة وإنما تنتفي بالكفر

2-       ما جاء عند الطبراني ان النبي قال ( إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وإن آخر ما تفقدون منه الصلاة ) قال الإمام أحمد إذا فقد آخر الشيء فماذا بقي منه .

3-                     قول النبي ( رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ) وإذا انهار العمود لم يبق لهذا البيت قائمة

4-       حديث وان كان فيه ضعف ( انه يحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ) وهؤلاء أئمة الكفر فهذا يدل على كفره

5-       قول النبي صلى الله عليه و سلم كما في مسلم ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة  ) والبينية تقتضي القطع والمفارقة فهي علامة واضحة بين المسلم والكافر

6-       ما جاء عند الترمذي وغيره ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) فقوله فمن تركها فقد كفر مع تصدير الحديث بالعهد يدل على ان من ترك الصلاة فهو كالكافر لا عهد له ولا ذمة

7-       أن النبي لما أخبر عن الأمراء الظلمة قال بعض الصحابة ألا ننابذهم بالسيف يا رسول الله ؟ قال :( لا ما أقاموا فيكم الصلاة ما أقاموا فيكم الصلاة )

فدل على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فيجوز أن ينابذوا فإذا ضم هذا الحديث مع الحديث الآخر قال ( إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ) فدل على ان الصلاة من الكفر البواح

8-       صح في سنن الترمذي عن عبد الله بن شقيق قال ( لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم  يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة )

وقد ثبت هذه عن ستة عشر صحابيا يرون كفر تارك الصلاة من بين هؤلاء عمر بن الخطاب

هذه مجمل أدلة القولين والقول الراجح ان تارك الصلاة تهاونا وكسلا انه كافر

أما الجواب عن أدلة أصحاب القول الأول فنقول :

أما قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }

فإن معنى ( ما دون ذلك ) أي ما أقل من ذلك وليس معناها ما سوى ذلك

وذلك لو أن إنسانا سب الله عز وجل أو سب رسوله صلى الله عليه و سلم فليس هذا بشرك وإنما هو كفر ومع ذلك فهو غير داخل تحت المشيئة ثم على ان معنى ( ما دون ذلك ) أي ما سوى ذلك كما قررتم فإن هذه الآية من قبيل العام المخصص وقد خص منه ترك الصلاة لحديث ( فمن تركها فقد كفر )

أما استدلالكم بقول النبي في حديث عتبان في الصحيحين ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) فيقال ان هذا النص من قبيل المطلق المقيد بترك الصلاة وكذلك يكون القول في مثل هذا النص في حديث عبادة بن الصامت

أما استدلالكم بحديث (  يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)

فإن هذه الحالة في حالة بعذر فيها الإنسان فهو شبيه بمن لم يدرك الشريعة أو لم يدرك بعضها أو شبيه بمن أسلم ثم مات قبل أن يتمكن من العمل .

وهناك أحاديث يمكن تقوي القول الأول

منها ما جاء في سنن أبي داود أن النبي قال  ( خمس صلوات افترضهن الله على العبد فمن أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له عهد على الله أن يغفر له ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له من الله عهد ان شاء عذبه وان شاء غفر له ) ومنها حديث فضالة بن عبيد كما عند أبي داود قال ( علمني رسول الله فكان مما علمني ان قال حافظ على الصلوات الخمس قلت ان لي أشغالا في هذا الوقت فأمرني بأمر جامع إذا فعلته أجزأ ذلك عني ، فقال النبي حافظ على العصرين قلت وما العصران ؟

قال الصلاة قبل طلوع الشمس والصلاة قبل غروبها )

فالحديث الأول : يدل على من لم يحافظ على الصلوات أنه تحت المشيئة ولكن الجواب عنه أن يقال : إن الحديث تفسره الجمل التي بعده قال ( فأحسن وضوءهن وأتم ركوعهن وخشوعهن ) وليس المراد من عدم المحافظة ترك الصلاة فإن ظاهر هذا الحديث يدل على انه يصلي لكنه لم يتم الركوع والسجود فيها والخشوع

وأما حديث فضالة فالمراد منه ولابد ان يكون هذا هو المراد المراد منه أمر النبي ان يصلي الصلوات الخمس في أول وقتها فتعلل فضالة بأشغال فأكد النبي على أن يأتي بالعصرين في أول وقتهما ولو لم يكن كذلك فتكون العصران مجزئة عن بقية الصلوات وكيف تكون صلاتان مجزئة عن بقية الصلوات مع ان التصريح في النصوص الكثيرة جاء بفرضية الصلوات الخمس ( خمس صلوات افترضهن الله على العبد ) وحديث ابن عباس في إرسال النبي صلى الله عليه و سلم  لمعاذ إلى اليمن قال ( فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله قد كتب عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ) والأحاديث كثيرة فيكون المراد من هذا الحديث التأكيد على صلاة الفجر والعصر في أول وقتها شأنه كشأن حديث ( من صلى البردين دخل الجنة ) والبردان هما العصر والفجر فالمراد التأكيد على هاتين الصلاتين ،

والسبب والله أعلم بالتأكيد على هاتين الصلاتين قول النبي ( تتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر )

ولهم حديث آخر وهو حديث الشفاعة في قصة إخراج العصاة من النار ففي آخر الحديث بعد ما يشفع قال تعالى ( شفعت الملائكة والنبيون ) فيقبض من النار أناسا لم يعلموا خيرا قط ) وكلمة ( خير ) نكرة في سياق النفي فتعم الجميع ولكن هذا الحديث من قبيل العام المخصص

وإما أن يحمل على قوم اسلموا قبل ان يتمكنوا من العمل ، أو على هؤلاء القوم الذين ذكروا في حديث ( يدرس الإسلام ) ولكن هذا الاحتمال ولم يأت دليل يدل على أن تارك الصلاة ليس بكافر إنما جاءت النصوص بتكفيره وقد يتعللون بل تعللوا بأن هذا الكفر ليس هو الكفر المخرج عن الملة . بل هو كفر دون كفرأي كفر أصغر كحديث النبي عند مسلم ( اثنتان في الناس هما بهم كفر ) وما شاب ذلك هذا الحديث من أحاديث ذكرت الكفر والمراد منه الكفر الأصغر  ، فالجواب عن هذا الحديث كما قال شيخ الإسلام / أن كلمة الكفر إذا دخلت عليها ( أل ) فإنها تفيد الاستغراق أي الكفر المطلق بخلاف ما لو جردت  من ( أل ) ففرق بين الاسم المطلق وبين مطلق الاسم ولذا يقول السلف في مرتكب الكبيرة لا يسلب منه مطلق الإيمان ولا يعطي الإيمان المطلق ثم لو قيل بعدم كفره لترتب عليه أن يكون الإنسان كالبهيمة وقد وصف الله الكفار بأنهم بهائم ، [أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ] {الفرقان:44} وقال { أؤلئك كالأنعام بل هم أضل }  فإذا قيل انك لا تكفر وإنما هي معصية كبيرة شأنها كشأن شرب الخمر والزنا لتركت بعض النفوس هذه الصلاة وإذا تركتها جاز حينها ألا يجتنب نجاسة وألا يتطهر من حدث أكبر أو حدث أصغر وأن لا يقرأ القرآن فأصبحت حياته أكلا وشربا ونوما

فالقول الراجح هو القول بتكفيره لما ذكر من أدلة قوية وأما ما استدلوا به فهو من قبيل العام المخصص أو المطلق المقيد أو المحمول على حالة يعذر فيها الإنسان ثم ان القول بتكفيره اختلف في العدد الذي يكفر بتركه أيكفر بترك صلاة أم يكفر بترك صلاتين أم يكفر بترك الصلاة كلها إذ لو كان يصلي أحيانا ويدع أحيانا فإنه لا يكفر

القول الأول : يرى انه يكفر بترك صلاة واحدة لقول الرسول ( من ترك الصلاة فقد كفر )

 ( بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة )

فـ أل هنا ليست للعموم وإنما للمعهود فهي ( أل ) العهدية فلا يكون العموم منطبقا عليها بدليل أنه جاء عند البخاري أن الرسول صلى الله عليه و سلم  قال  ( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) وحبوط العمل لا يكون إلا من كفر لأن كلمة عمل مفرد أضيف إلى الضمير المعرفة فيفيد حبوط العمل كله ولذا جاء عند البخاري  ( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) والفوات لا يكون إلا بإخراجها عن وقتها والموتور في أهله وماله يألم أشد الألم فمن سلب منه أهله وماله كان عناؤه شديدا فكذلك من فاتته صلاة العصر يجتمع عليه غمان كما يجتمع على من سلب ماله وأهله وهذان الغمان  في الموتور هو غم الطلب وغم الانتقام فهو يريد إرجاع أهله وماله وهذا غم ويريد ان ينتقم لنفسه وهذا غم آخر فكذلك من فاتته صلاة العصر يجتمع عليه غمان غم حصول الإثم وغم فوات الأجر وأما القائلون بعدم كفر إلا بترك الصلاة كلها

فيستدلون بنفس الأحاديث السابقة ( من ترك الصلاة فقد كفر ) والأصل في أل أنها تفيد العموم فمن ترك شيئا وفعل شيئا لم يحصل كفر منه ولأن الأصل فيه الإسلام ولا يخرج من هذا الأصل إلا بيقين وهو اختيار ابن عثيمين رحمه الله

والأظهر أنه يكفر بترك صلاة واحدة وذلك لأن( أل) التي في(الصلاة ) خرجت عن العموم بدليل ( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) ويمكن أن يقولوا : وهذا إيراد أوردته يمكن ان يقولوا : إن هذا الحديث الثابت في البخاري يخص منه صلاة العصر فلو ترك أي صلاة غير صلاة العصر لما كفر والجواب عن هذا الإيراد  إن ذكر صلاة العصر ليس نفيا لغيرها وذلك لأن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى وقد قال تعالى { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } فذكرها في هذا الحديث لتميزها وأهميتها كما هو الشأن في الآية السابقة  فلا يمكن ان يقال ان المحافظة تكون لصلاة العصر دون بقية الصلوات وأما ما أجيب من ان حبوط العمل انه ليس الحبوط الأصلي وإنما هو حبوط انتفاع بالعمل فلا دليل عليه لاسيما مع الأدلة التي جاءت بتكفيره وأضعف منه من قال( إن الترك هنا هو الترك لصلاة الجماعة )

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com