: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
عقوبة تارك الصلاة
 

 

 

 


( عقوبة تارك الصلاة )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد فيا عباد الله /

ترك الصلاة عمَّ وطمَّ وانتشر وتفشى تفشيا ذريعا في المجتمع ، فهناك من يدع الصلوات الخمس كلها ، وهناك من يدع بعضها ، وهناك من يصليها ولكن في غير وقتها ، وهناك من لا يصليها البتة إلا في يوم الجمعة ، وهذا والله ينذر بخطر عظيم ، الله جل وعلا لما ذكر كوكبة نيرة مشرقة من الأنبياء بوصفه جل وعلا لهم { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً }مريم58 ، ذكر أن هناك خلوفا تخلف بعدهم {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً }مريم59 و الغي : كما قال جملة من المفسرين ، وادٍ في جهنم بعيد عمقه شديد عقابه ، يقول ابن مسعود رضي الله عنه تحت هذه الآية  ليس معنى { أَضَاعُوا الصَّلَاةَ } أي تركوها بالكلية ، ولكنهم أخروها عن وقتها ) فقل لي بربك هذا الوعيد الشديد في حق من أخرج الصلاة عن وقتها ، فقل لي بربك ما عقاب من ترك الصلاة ولم يؤدها ؟! يقول ابن المسيب رحمه الله ( إضاعة الصلاة ألا يصلي الظهر حتى يدخل وقت صلاة العصر ، وألا يصلي العصر حتى يدخل وقت صلاة المغرب ، وألا يصلي المغرب حتى يدخل وقت صلاة العشاء ، وألا يصلي العشاء حتى يدخل وقت صلاة الفجر ، وألا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس ) قال رحمه الله ( فمن مات وهو مصر على هذه الحالة ولم يتب ، أوعده الله بغي ، وهو وادٍ في جهنم بعيد قعره شديد عقابه ) الله جل وعلا توعد المصلين ولكنهم يخرجون هذه الصلاة عن وقتها

{ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ{4} الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ{5} لم يقل ( الذين هم في صلاتهم ) لأن الإنسان يسهو في صلاته ، ولا يسلم من السهو في الصلاة أحد ، وإنما قال { الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ{5} قال المفسرون : معنى ذلك أنهم أخرجوا الصلاة عن وقتها وتشاغلوا بغيرها ، ابن القيم رحمه الله يقول كما في كتابه الصلاة : لا يختلف المسلمون أبدا من أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من أعظم الذنوب ، ومن أكبر الكبائر ، و أن إثم ترك الصلاة عند الله أعظم من إثم ترك النفس وأخذ الأموال والزنا والسرقة وشرب الخمور ، وقال رحمه الله : من ترك الصلاة فهو متعرض لعقوبة الله وسخطه في الدنيا والآخرة ، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يرسل رسائله إلى الآفاق ليذكرهم بأعظم شيء ، ألا وهو الصلاة ، كان رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق فيقول ( إن أهم أموركم عندي الصلاة ، فمن حفظها حفظ دينه ، ومن ضيعها فقد ضيع دينه ، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، والصلاة أول فروض الإسلام وآخر ما يفقد من الدين ، فإذا ذهب أول الشيء وآخره فقد ذهب جميعه )

ونقل ابن حجر رحمه الله كما في كتابه ( الزواجر ) قال : ذكر بعض العلماء أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وصححوها من أن تارك الصلاة عمدا كافر خارج عن الدين .

وهذه هي سمى المنافقين ، أنهم لا يصلون إلا رياء ، لا يصلون ابتغاء الأجر من الله ، ولو ترك لهم المجال لم يصلوا ، لولا أنهم يخشون على أنفسهم وعلى أموالهم أن تستباح لتركوا الصلاة ، قال تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }النساء142 { وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ }التوبة54 .

أهل الجنة حينما يجتمعون يطلون إطلالة على أهل النار { فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ{40} عَنِ الْمُجْرِمِينَ{41} مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ{42} ؟ ما الذي أوصلكم إلى سقر، وهي نار جهنم ؟ أول ما ذكروا { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ{43} ، من ترك الصلاة خرج من الملة ، عند الطبراني من حديث عبادة رضي الله عنه ، بإسناد لا بأس به ، كما قال المنذري في الترغيب ، قال عبادة ( أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع خصال ، قال : ألا تشركوا بالله شيئا وإن قُتلتم وإن حُرِّقتم وإن صُلبتم ، وألا تتركوا الصلاة متعمدين ، فمن ترك الصلاة متعمدا فقد خرج من الملة ، ولا تركبوا المعاصي فإنها سخط الله ، ولا تشربوا الخمر فإنها رأس الخطايا ) مزية الإنسان المسلم عن الكافر هي هذه الصلاة ، الصلاة هي المفترق بين الإسلام وبين الكفر ، في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) عند أبي يعلى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد حسنه الهيثمي والمنذري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاث ، عليهن أُسِّس الإسلام ، من ترك واحدة منهن فهو كافر حلال الدم ، شهادة أن لا إله إلا الله ، والصلاة المكتوبة وصوم رمضان ) أحاديث صريحة في كفر من ترك الصلاة ، فمن ترك الصلاة فقد كفر ، حديث بريدة الأسلمي عند الترمذي وغيره ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر ) إذا تركت الصلاة فأي خير يرجى وأي شر يحاذر ؟! ابن عباس رضي الله عنهما كما عند البزار بإسناد حسنه المنذري في الترغيب ، لما قام بصره ، يعني لما ضعف بصره ، قالوا نسقيك دواء ، ولكن شريطة ألا تصلي ، فماذا قال رضي الله عنه ؟ قال ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ترك الصلاة لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ) لو أن ملكا من ملوك الدنيا – ولله المثل الأعلى – بل لو أن مسؤولك في تلك الدائرة الحكومية غضب وسخط عليك ، ترتعد فرائصك ، تحزن ، تقلق ، فكيف إذا غضب عليك الجبار جل وعلا ؟ واسمع يا من تنام عن الصلاة ، ولا سيما صلاة العصر ، من يأتي قبيل صلاة العصر ثم يتغدى ثم يضع رأسه على الفراش ثم يدع الصلاة ، فإن قام صلاها ، هذا إن صلى ، أي فائدة من هذه الصلاة التي تؤخر عن وقتها ؟ يقول أبو المَليح كما عند البخاري ( كنا مع بريدة رضي الله عنه في يوم غيم ، فقال بكروا بهذه الصلاة ، من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) فما ظنكم بمن تخلف عن الصلوات كلها ؟ فما ظنكم بمن أخرج الصلاة كلها عن وقتها ؟ بل قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( الذي تفوته صلاة العصر فكأنها وُتِر أهله وماله ) تصور لو أن شخصا كان في الطريق ثم أتاه قطاع طرق وسلبوا منه أهله وماله فلم يبقوا له شيئا ، أي ندامة وأي حسرة تحصل له ؟ هذه الندامة توازيها ندامة من فاتته صلاة العصر ، من ترك صلاة العصر وأخرجها عن وقتها ( فكأنما وُتر أهلُه ومالُه ) وضبط بضبط آخر ( فكأنما وُتر أهلَه ومالَه ) بالضم وبالفتح.

ثم ما هو هذا القلب الذي ينام ويضع رأسه على الفراش وقد بيَّت النية وعزم على ألا يقوم ، أي قلوب هذه ؟ أيأمن من كانت هذه صفته ، أن تقبض روحه في تلك النومة ، فيقابل الله عز وجل على خزي وعار ، اسمع إلى هذا الحديث ، حديث سمرة رضي عنه كما في الصحيحين

( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصبح قال هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ فلما لم يذكروا له رؤيا ، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيين أتياه فابتعثاه وقالا انطلق ، قال فانطلقا بي ، حتى إذا أتينا على رجل مضطجع ) واربطوا هذه الكلمة بمن اضطجع وعزم على ألا يقوم للصلاة ) فإذا برجل مضطجع وإذا بآخر قائم عليه بصخرة ، فيهوي بهذه الصخرة لرأسه فيثلغ رأسه حتى يتدهده الحجر ، فيتبعه هاهنا ، فلا يعود إلا صح رأسه كما كان ، فيفعل به مثل ما فعل به في المرة الأولى ) في إحدى الروايات ( إلى يوم القيامة ) كأن هذه الرواية تشير إلى أن من نام عن الصلاة فإن هناك عذابا يرتقبه في قبره ، هذه العذاب أن رأسه يثلغ إلى قيام الساعة ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم ومن هذا الرجل ؟ فقالا : هذا الرجل يأخذ القرآن فيرفضه ) موضع الشاهد ( وينام عن الصلاة المكتوبة )

الشياطين تستحوذ على من ترك صلاة الجماعة ، فما ظنكم بمن ترك الصلاة جملا وتفصيلا ؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة ) يعني صلاة الجماعة ( إلا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذنب من الغنم القاصية )

هناك كتاب اسمه ( تعظيم قدر الصلاة ) ذكر المَرْوَزي رحمه الله آثاراً عن بعض الصحابة ، من بينهما عن عمر رضي الله عنه قال ( لا إسلام لمن لم يصل ) وعلي رضي الله عنه قال ( من ترك صلاة واحدة متعمدا من غير عذر برء من الله وبرء الله منه ) ويقول ابن مسعود رضي الله عنه كما في صحيح مسلم ( من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن ، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى ، ولو أنكم صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ) لا يتمكن أن يمشى وحده من البيت إلا المسجد ، وإنما يتكئ على رجلين لعظم هذه الصلاة ، وهي صلاة الجماعة ، ويقول عبد الله بن شقيق العقيلي رضي الله عنه ( كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر غير الصلاة ) وقال المروزي [ في تعظيم قدر الصلاة ] قال ( أتى رجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقال : أي درجات الإسلام أعظم ؟ فقال ابن مسعود رضي الله عنه الصلاة على وقتها ، فمن ترك الصلاة فلا دين له ) وعلي رضي الله عنه لما أتاه رجل فسأله عن امرأة لا تصلي ، فقال رضي الله عنه ( من لم يصل فهو كافر ) وجابر رضي الله عنه لما سئل ما كان يفرق بين الإيمان والكفر من الأعمال عندكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ما هو العمل الذي يفرق بين الإيمان والكفر ؟ فقال جابر رضي الله عنه (الصلاة) .

أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يناديان فيقولان  ( إياكم والتفريط في الصلاة فإن التفريط في الصلاة هلكة ) قال جل وعلا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }المنافقون9، فسَّر بعض المفسرين وهو الضحاك رحمه الله ، فسر { ذِكْرِ اللَّهِ } بأنها الصلوات الخمس ، يقول عبد العظيم المنذري في الترغيب والترهيب ( من ترك الصلاة متعمدا حتى يخرج جميع وقتها ، فقد أفتى فيه جملة من الصحابة بأنه كافر ، منهم عمر وابن مسعود وابن عباس ومعاذ بن جبل وجابر وأبو الدرداء رضي الله عنهم ) وقال المروزي ( سمعت إسحاق يقول كان رأي أهل العلم من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يخرج وقتها أنه كافر ) نسأل الله السلامة والعافية ، وفي هذه الآثار والله غنية وكفاية لمن في قلبه شيء من الإيمان .

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله /

من البلايا التي تحل بالإنسان إذا ترك الصلاة : أن ترك الصلاة يؤدي به إلى الكفر ، وما هو هذا الكفر ؟ الكفر معناه أنه إذا مات يكون خالدا مخلدا في نار جهنم ، يحشر مع أئمة الكفر مع فرعون وهامان وقارون وأبي ابن خلف .

ومن بلايا ترك الصلاة : أنها سبب لسخط ومقت الله عز وجل ، وإذا سخط الله على العبد ، فأي خير يؤمله ، وأي شر يحاذره ؟

ومن بلايا ترك الصلاة : أنها تزيل النعم وتحل بالعبد النقم .

ومن بلايا ترك الصلاة : أن يقل ، بل قل ينعدم منه التوفيق فلا يسدد ولا يوفق ولا يوسع له في رزقه ولا ينشرح صدره .

ومن بلايا ترك الصلاة : أنها سبب للهوان والذل ، أين ؟ في الدنيا قبل الآخرة ، لأن الصلاة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ( الصلاة نور ) نور في القلب ، نور في الوجه ، نور في الحياة ، نور في القبر ، نور في الآخرة ، نور في المحشر ، نور على نور ، فإذا ذهب هذا النور ، حلَّت الظلمة وحل البؤس .

ومن بلايا ترك الصلاة : أن العبد يحرم من أعظم سبيل وطريق تكفر به السيئات ، أحاديث كثيرة من بينها كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الحديث يخفى على كثير من الناس ( أن العبد إذا قام يصلي أتي بسيئاته فوضعت على ظهره ، كلما ركع أو سجد تناثرت تلك الخطايا والذنوب ) فضل عظيم ، فإذا ترك الصلاة حُرِم من هذا الخير ، وقل ما تشاء من البلايا والرزايا والمحن التي تحل بتارك الصلاة ، وليعلم أننا حينما نتحدث عن ترك الصلاة نتحدث بجميع الأشكال والأنواع من تركها كلية أو من إخراجها عن وقتها ، أو من التخلف عن الصلاة جماعة مع المسلمين ، وكيف يتخلف العبد عن الصلاة مع المسلمين وهي تقام والحرب دائرة ؟ الله سبحانه وتعالى لم يعذر عباده في ثنايا الحرب أن يتركوا صلاة الجماعة {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ }النساء102 الآية ، كل ذلك من أجل أن يظفر الإنسان بخير عظيم من هذه الصلاة ، فنسأل الله عز وجل أن يهدينا وأن يهدي قلوبنا وأن يردنا إليه ردا جميلا .

الخاتمة : .................

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com