: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
خطورة المعاصي
 

 

 

 


 ( خطورة المعاصي )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد فيا عباد الله /

قبل أن أشرع في خطبتي ، رأيت بعض الناس يشبكون أصباعهم ، وتشبيك الأصابع قبل الصلاة عموما ، سواء كانت صلاة جمعة أو صلاة ظهر أو عصر أو مغرب أو عشاء ، منهي عنه لصحة الحديث الوارد في ذلك ، فليتنبه لمثل هذا الأمر ، مع التأكيد على أن النهي ليس خاصا حينما يحضر الإنسان لخطبة صلاة الجمعة ، بل يشمل الصلاة كلها ، فقبل الصلاة لا تشبك أصابعك .

عباد الله – موضوعنا في هذا اليوم يتحدث عن المعاصي ، في كتاب

( الداء والدواء ) قُسِّمت الذنوب إلى أربعة أقسام [ ذنوب مَلَكِية – ذنوب شيطانية – ذنوب سبُعية ، ذنوب بهيمية ]

فالذنوب الملكية : أن يتعاطى العبد من الصفات مما لا يليق إلا بالله سبحانه وتعالى ، كالكبر والعظمة ونحو ذلك .

والذنوب الشيطانية : أن يتشبه بصفات الشيطان ، مثل الحقد والحسد ونحو ذلك .

والذنوب السبعية : أن يتشبه بالسباع ، كالضرب والقتل والشتم ، ونحو ذلك .

والذنوب البهيمية : أن يتشبه بالبهائم ، مثل الشره ، والحرص على شهوة الفرج والفم .

ومدخل الناس من الذنوب البهيمية ، فهي السبب الأول لدخول الناس في الذنوب الأخرى ، فالناس يدخلون من الذنوب البهيمية إلى الذنوب السبعية ثم إلى الشيطانية ، ثم منازعة الرب عز وجل فيما لا يليق إلا به سبحانه وتعالى .

يقول ابن القيم رحمه الله كما في كتابه ( الجواب الكافي ) - ولعل حديثي في مثل هذا اليوم عن الذنوب والمعاصي ، إنما هو ارتباط بما أعقب رمضان من الذنوب ، ذلكم الشهر الكريم المتميز في جوه الإيماني ، أُعقب بذنوب كبار ، بذنوب عظيمة ، فكان من المناسب أن يكون الحديث في مثل هذا اليوم عن خطر المعاصي ،

يقول ابن القيم رحمه الله : " مما ينبغي أن يُعلم أن الذنوب تضر في القلب كضرر الذنوب على الأبدان على مختلف درجاتها في الضرر" ثم قال رحمه الله " وهل في الدنيا شرٌ ووباء وبلاء إلا بسبب الذنوب والمعاصي " ثم ذكر أمثلة ، ولعل قلوبنا تحضر حينما أسمعكم هذه الأمثلة حتى نربطها بواقعنا ، يقول رحمه الله :

" فما الذين أخرج الأبوين من دار الجنة ، دار النعيم واللذة إلى دار الآلام والأحزان ؟

وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماوات وطرده ولعنه وبدل بالقرب بعدا وبالرحمة لعنة وبالجنة نارا تلظى وبالإيمان كفرا ؟

وما الذي أغرق أهل الأرض حتى على الطوفان رؤوسهم ؟

وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى أماتهم كأنهم أعجاز نخل خاوية ؟

وما الذي أرسل الصيحة على قوم ثمود حتى قطعت أجوافهم ؟

وما الذي رفع اللوطية فجعل عاليها سافلها ؟

وما الذي أرسل على قوم شعيب الظلل فلما استأنسوا بظلها أمطرت عليهم نارا تلظى ؟

وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ؟

وما الذي خسف بقارون وبداره وبأهله ؟

وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ؟ " هذه أنواع وأشكال من العقوبات التي أنزلها الله عز وجل بالأمم السالفة بسبب ذنوبها ، فهل هناك قلوب معتبرة ؟ هل هناك عقول واعية ؟ نحن في مثل هذا البلد نعيش في أمن ، في دعة ، في رخاء ، في سعة من الرزق ، ونحن ننظر الأخطار التي تحوم وتحول حولنا ، وأنتم يمكن أن تكونوا أعلم مني بما يجري في العالم ، مما يجري حولنا ، القنوات الفضائية والوسائل الإعلامية بشتى أنواعها عن ماذا تتحدث ؟ تتحدث عن الأخطار التي تحيط بنا ، ونحن في أمن { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا } القصص57 ، حدثوني بربكم ، ما مقومات الحياة في هذه الأرض ؟ لولا كرم الله بهذا السائل الأسود الذي تحت الأرض لمتنا جوعا ، كرم من الله ، الأمم حولنا تتخطف ، حل بها الخوف والبلاء ، عمت بها العقوبات ، ونحن في خير وأمن { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } العنكبوت67، هي منحة من الله عز وجل نخشى أن تكون بعدها النقمة ، حالنا في طاعة الله والله لا يبشر بخير ، يُعقب ذلكم الشهر بهذه الذنوب ؟ هكذا جُرِّد الإنسان من ذلك الخير الذي في قلبه ؟ جُرِّد من تلاوة القرآن ؟ جُرِّد من الصلاة ، لم ؟ { أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ{97} أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ{98} أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ{99} الأعراف99 ، بسبب معصية واحدة قلب الله جل وعلا النصر إلى الهزيمة في غزوة أحد ، بسبب معصية بعض الصحابة رضي الله عنهم لما اجتهدوا وخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يقفوا وألا يبرحوا منه ، فلما رأوا الهزيمة قد وقعت بقريش ، ورأوا أن قريشا قد هربوا ، ورأى بعض من رأى أن الصحابة الذين تحت الجبل بدءوا يجمعون الغنائم انفضوا من حول أميرهم { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }آل عمران152 ، بسبب معصية واحدة انقلبت الموازين
، بحضور من ؟ في عصر من ؟ في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، في عصر الصحابة الفضلاء الكرام ، كل ذلك تحذير لنا نحن ، وإلا فالخير مبعود عنه – نعم – إذا لُعن الإنسان و طرد من رحمة الله فلا تسأل عن الشر الذي يحل به ، ولا عن الخير الذي يذهب منه { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } ما السبب ؟ { ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }المائدة78 ، إن الله يمهل ولا يهمل ، والله إن المجتمع لمتغير كثيرا في طاعة الله ، والله حالنا قبل عشر سنين ليس كحالنا في هذه السنة ، وها نحن في تناقص ، ونخشى أن يحل بنا عذاب الله { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ{45} أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ } في ذهابهم وإيابهم ، في معاشهم } فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ{46} أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ } على تنقص ، يتناقصون ، تأتيهم البلايا والرزايا ، الأوبئة حلَّت بنا ، التي هي علامات الخطر ، بركة المال نقصت من أيدينا ، بركة الأولاد انمحقت أمام أعيننا ، وهذا شيء مشاهد ، فلماذا نغفل عن طاعة الله ؟ أهذه هي السعادة ؟ أهذا هو الخير ؟ أولا نبصر يمنة ويسرة عما أحدث الله عز وجل بالأمم والدول التي حولنا  ؟ { فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً }الحاقة10  {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً }المزمل16 أخذا شديدا ، ولذلك قالها صالح عليه السلام ، مما يدل على أن المعصية خسارة فادحة { فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ }هود63 ، ثم إن اسم المعصية في حد ذاتها منبوذ ، ممقوت في القلوب الواعية اليقظة الخيرة – نعم – هذا الاسم في حد ذاته لا يليق بك يا بني البشر ، في صحيح مسلم ( لما أسلم رجل كان اسمه العاصي ) هذا الاسم غير لائق ولا سيما بالمسلمين ( فبدله النبي صلى الله عليه وسلم وغير اسمه من العاصي فسماه مطيعا ) لأنه هذا هو الذي ينبغي لك يا بني البشر ، يا أيها الإنسان هذا هو الذي ينبغي لك ، أن تكون مطيعا لله عز وجل {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56 ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ماذا كان يقول ؟ يقول ابن عمر رضي الله عنهما ( قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس إلا دعا بهؤلاء الكلمات ) وهي كلمات معروفة ، ولعلها تذكرنا بذلك الشهر الكريم ، الذي عملت فيه الطاعات واجتنبت فيه الخطيئات ، ما هو هذا الدعاء ؟ ( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا ، ومتعنا بأسماعنا وقواتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علين من لا يرحمنا ) دعوات ، من بين جمل هذه الدعوات ( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ) سبحان الله – أين تلك الصلوات التي كانت تُحضر في المساجد ولا يُتخلف عنها إلا لعذر شرعي من قبل كثير من الناس ، امتلأت المساجد بسكان الحي في رمضان ، فلما انصرف رمضان انصرفوا – سبحان الله – انتبهوا

{ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم } إذا صرف الله قلبك ، هذا هو الشر والبلاء { صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون }التوبة127 ، لم يحركوا هذه القلوب ، النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال ( لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ، هل يبقى من درنه من شيء ؟ ) يعني من أوساخه شيء ( قالوا لا يا رسول الله ، قال فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ) كيف تمحى خطايانا ؟ كيف تزول ذنوبنا ؟ ونحن قد فرطنا في هذه الصلوات ؟

يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي من حديث أبي ذر رضي الله عنه ( اتق الله حيثما كنت ) لا في الرياض ولا في جدة ولا الطائف ولا في أي مكان، ولا في زمن دون زمن ، لا في شهر رمضان ولا في شوال ولا في ذي القعدة ( اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ) نحن غيرنا ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ) ونحن أتبعنا الحسنة ، وهي حسنة رمضان ، ذلكم الجو الإيماني أتبعناه بسيئات { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء } انظروا – عنده مزرعة مكونة من نخيل وعنب ، وقد بلغ من الكبر عتيا ، وعنده ذرية ضعفاء ، يحتاج إلى أن يطعمهم من هذه المزرعة ، لكنه كبر في السن ، ومع ذلك ما الذي حلَّ بهذه المزرعة أو بهذا البستان ؟ الإعصار { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }البقرة266 ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما كما في صحيح البخاري ( هذه الآية نزلت في رجل كان غنيا يعمل بطاعة الله عز وجل فلعب عليه الشيطان فعمل بالمعاصي ، فأغرق الله جميع أعماله )

الديار عامرة ويخشى أن تخرب ، ما خرابها ؟ قال عمر رضي الله عنه ( توشك أن تخرب القرى وهي عامرة ، قيل يا أمير المؤمنين ما خرابها وهي عامرة ؟ قال إذا علا فجارُها أبرارها ، وساد القبيلةَ منافقوها ) تزلل الأرض فتعزى إلى الحوادث الكونية – سبحان الله – أين إيمانك ؟ أين عقيدتك ؟ {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }القمر49، ما جاء عندنا من زلازل يقولون لا تقولوا إنها بسبب الذنوب ، وإنما هي حوادث كونية طبيعية – سبحان الله ! أين عقيدتك { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }القمر49 { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } الزمر62، أين قول الله عز وجل { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }الشورى30 ؟ صحيح أن هناك من لم يعص الله ، ولكن الذنب إذا عمل في الأرض ولم ينكر ولم يغير ، حلَّ الدمار بالكل {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الأنفال25 ،يقول كعب رحمه الله (إنما تزلل الأرض إذا عمل فيها بما يُسخط الله، فترتعد الأرض فرقا وخوفا من الله أن يطلع عليها) فتحت قبرص ؟ فتحت قبرص ، وهي من أعظم المدن التي كانت مقطونة ممن أذنب وعصى وتجبر وطغى ،فلما فتحت قبرص كان هناك من الصحابة أبو الدرداء رضي الله عنه ، فلما فتحت جعل يبكي ، فقال له جبير بن نفير علام تبكي يا أبا الدرداء في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ؟ لا شك أن هذا اليوم يوم فرح ، لكن أراد رضي الله عنه أن يوصل رسالة إلى هؤلاء الفاتحين ، إنما فتحوا هذه البلاد بطاعة الله ، وإنما زالت هذه البلاد من أهل قبرص بسبب عصيان الله ، قال ويحك يا جبير ألم تر إلى قبرص كانت أرضا عامرة ، فلما عصوا الله فعل بهم ما فعل .

يقول ابن المبارك رحمه الله :

أيضمن لي فتى ترك المعاصي

 

وأرهنه الكــفالة بالخلاص

أطاع الله قوم فاستراحوا

 

ولم يتجرعوا غصص المعاصي

 

المعاصي لها غصص ، ويقول آخر :

دع عنك ما قد كان في زمن الصبا

 

واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب

واذكر مناقشة الحساب فإنه

 

لابد محصى ما جنيت ويكتب

لم ينسه الملكان حين نسيته

 

بل أثبناه وأنت لاهٍ تلعب

والروح فيك وديعة أُودعتها

 

ستردها بالرغم منك وتسلب

هب أن الإنسان كان منعما في هذه الدنيا لكنه كان في نعم على غير هدى وتقى من الله عز وجل ، ما عاقبته ؟ عاقبته النار ، ولا خير في لذة تعقبها الحسرات والنيران ، والله لا خير فيها ، في صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( يؤتى بالرجل من أنعم أهل الدنيا وهو من أهل النار ، فيصبغ في النار صبغة ) غمسة واحدة ( فيقال له يا ابن آدم هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول لا والله يا رب ) وأضرب لكم مثلا ، وهذه غمسة في النار ، عذاب الدنيا ، تصور لو أن إنسانا من حين ما خرج إلى هذه الدنيا وهو في نعيم وخير إلى أن بلغ الثمانين أو التسعين أو مائة ثم أتاه المرض الذي أقعده وعذبه ، هل يذكر نعيمه الذي مر به ؟ لا ، كأن ذلك النعيم لم يجر له ، هذا  مرض في الدنيا ، فما ظنكم بالألم الدائم والعذاب السرمدي في الآخرة ، نسأل الله السلامة والعافية ، فنحن في نعم :

إذا كنت في نعمة فارعها

 

فإن المعاصي تزيل النعم

وداوم علينا بشكر الإله

 

فإن الإله سريع النقم 

وإياك والظلم مهما استطعت

 

فظلم العباد رهين الوخم

وسافر بقلبك بين الورى

 

لتبصر آثار مَنْ قد ظلم

 

الآن ما يحتاج إلى أن نسافر ، نحتاج إلى أن نطلع إلى بعض المرئيات التي ترى من أنواع عقوبة الله عز وجل من الزلازل والفيضانات ونحن ذلك :

وسافر بقلبك بين الورى

 

لتنظر آثار من قد ظلم

 

ما الخلاص ؟

خل الذنوب صغيرها وكبيرها

 

        ذاك هو الـــتقى

واعمل كماشٍ فوق أرض

 

الشوك يحذر ما يرى

      لا تحقرن صــــغيرة

 

إن الجبال من الحصى

 

ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسب

 

وتجمع في لوحٍ حفيظ وتكتب

وقلب في سهو ولهو وغفلة

 

وأنت على الدنيا حريص معذب

تباهي بجمع المال من غير حله

 

وتسعى حثيثا في المعاصي وتذنب

أما تذكر الموت المفاجيك في غدٍ ؟

 

.................................

 

والله إن أحداً ممن له صلة بنا ، قبل أيام كان جالسا في مجلس وليس به شيء ، وهو من أحسن الناس لا يشعر لا بضغط ولا بسكر ولا بأي شيء من أمراض العصر ، فجأة تحرك قلبه ، وآلامه ، ذهب إلى الصيدلية ليتناول علاجا ، وإذا بها النهاية ، انتهى أمره في لحظات

أما تذكر الموت المفاجيك في غدٍ ؟

 

أما أنت من بعد السلامة تعطب

 

نسأل الله عز وجل أن يوقظ قلوبنا من رقدات الغفلة وأن يردنا إليه ردا جميلا .

الخطبة الثانية

أما بعد : فيما عباد الله /

ابن القيم رحمه الله ذكر كتابه ( الجواب الكافي ) وهو كتاب عظيم نافع ينبغي لمن قسا قلبه أن يقرأ هذا الكتاب ، ذكر آثار الذنوب ، وأنا أذكر طرفا منها على سبيل العجالة :

 يقول رحمه الله : من آثار الذنوب / حرمان العلم ، لأن العلم نور ، ونور الله لا يؤتى لعاصي ، وحرمان الرزق ، ويقول ما استجلبت نعمة إلا بطاعة الله ، وما حلت نقمة إلا بمعصية الله ، ولا أدل من قوله تعالى { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }

ومن آثار الذنوب : أنها توهن القلب ، حتى تعلوا الذنوب على القلب فيكون عليه الران ، ثم حينها لا ينتفع القلب بأي خير .

ومن آثار الذنوب : أنها توهن البدن ، كان أحد القضاة من السلف ، كان عمره قد تجاوز مائة سنة وعقله معه ، كان يفتي في المسائل ، فلما كان في إحدى السفن ووصلت إلى الشاطئ قفز قفزة لا يقفزها الشباب ، فسئل عن ذلك ، من أين هذه القوة ؟ فقال هذه جوارح حفظناها في الصغر ، يعني من الذنوب ، فحفظها الله لنا في الكبر .

ومن آثار الذنوب  : أنها تقصر العمر وتمحق بركته ، وتزرع أمثالها ، وكلما فعل الإنسان ذنبا ، قال الذنب الآخر افعلني وهكذا وهكذا .

 ومن آثار الذنوب : أنها تورث الذل ، والله تورث الذل في الدنيا قبل الآخرة ، وما حل بالأمم التي حولنا ذل أم عز ؟ كانوا في عز فأصبحوا في ذل { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }فصلت46 ، قال عليه الصلاة والسلام ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }هود102 )

ومن آثار الذنوب : أنها تفسد العقل ، من كان على ضلالة ثم استقام لو تذكر أحواله مما صنعه في زمن الضلالة ، قال أين عقلي ؟ أين لبي ؟ أين قلبي ؟ كيف أفعل تلك الأفاعيل ؟! لأنه في ثنايا الذنب قد ذهب عقله ، لكن لما أطاع الله رجع إليه عقله ، وخطاب الله عز وجل لأولي الألباب {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ }الفجر5 .

ومن آثار الذنوب : أنها تحدث في الأرض زلازل وأوبئة ، أمراض متنوعة { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ } ليس الكل ، لو يؤاخذنا الله بكل ذنوبنا ما أبقى منا أحدا { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ }فاطر45 { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41، هذا من لطف الله لعلهم أن يرجعوا إليه .

ومن آثار الذنوب : أنها تذهب الحياء ، الذي هو مادة حياة القلب ،وهو أصل كل خير ، ولذلك ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) ولذلك نرى بعض الشباب قد يظهر بعض عورته أو يتراقص أو يفعل بعض الأفاعيل التي لا تليق بالعقلاء ، ما سبب ذلك ، ذهاب الحياء .

ومن آثار الذنوب : أنها تستدعي نسيان الله للعبد { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ }التوبة67 ، نسأل الله العافية .

ومن آثار الذنوب : أنها تزيل النعم وتحل النقم {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }الأنفال53

ومن آثار الذنوب : تهون العبد عند الله ، وإذا هان العبد على الله فمن يكرمه ؟ { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }الحج18

ومن آثار الذنوب : أنها يعود شؤمها على صاحبها ، يقول الفضيل بن عياض : إني إذا أذنبت أرى أثر ذلك على زوجتي ودابتي ، وهناك آثار كثيرة ذكرها رحمه الله ، وهناك أشياء لم يذكرها ، وقل ما تشاء من آثار الذنوب السيئة ، فهلا توبة ، هلا عودة قبل أن يحل بنا سخط الله ، نسأل الله السلامة والعافية .

الخاتمة : .............

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com