: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
تأملات في قوله تعلى ( ونفخ في الصور )
 

 

 

 


 ( تأملات في قوله تعالى  

{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ }الزمر68 )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد : فيا عباد الله /

إن أفضل ما تُنفق فيه الأوقات ، وأعظم ما تبذل فيه الأنفاس ، وأجل ما تتأمل فيه القلوب ، هو التأمل والتدبر في كلام ربنا عز وجل ، مَنْ تأمل وتدبر كلام الله ازداد هدى ويقينا وحبا وتعظيما وتقربا إلى الله سبحانه وتعالى ، ونحن في هذا اليوم نتأمل بعض الآيات التي تقتضي الحال ، ترى ما هو هذا الحال ؟ هذا الحال هو حال الاختبارات ، حال الاختبارات لها شؤون وأحوال واهتمام من قِبلنا ، من كثير منا ، فأين مكمن اهتمامنا بامتحان الآخرة ، تلك الآيات – عباد الله – هي آخر آيات من سورة الزمر ، لنربط بينها وما يجري فيها من امتحان عظيم مهيب مخوف ، وبين امتحان هذه الدنيا الذي سرعان ما يزول وتزول معه المخاوف والرهبة من قلوب أبنائنا الطلاب .

يقول ربكم عز وجل :

{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ }

نفخ في الصور ، أُبهم النافخ ، والنافخ هو إسرافيل عليه السلام ، مثل هذه الآية جاءت بصيغة الماضي ، كأن الأمر قد وقع{ وَنُفِخَ } وهو لم يقع حقيقة ، ولكن كل ما ثبت يقينا أنه سيقع ، فإنه بمثابة الواقع، ولذا في آيات كثيرة يقول الله سبحانه وتعالى في مثل قوله تعالى { أَتَى أَمْرُ اللّهِ }النحل1 ، وهو لم يأت ، لكن أتى بصيغة الماضي لأنه واقع لا محالة مهما طال عمر الإنسان { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } فلما أتى بصيغة الماضي كأنه يذكرنا بأنه يجب عليك أيها العبد الضعيف أن تستعد لذلك الامتحان العظيم ، كيف لا يستعد أحدنا ونبينا صلى الله عليه وسلم ماذا قال كما عند الترمذي ؟ قال عليه الصلاة والسلام ( كيف أنعم ) كيف يصيب قلبي نعمة أو سرور أو فرحة ( كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وينتظر متى يؤمر بالنفخ فيه ) استعدادٌ عظيم { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } الصور : هو قرن ، كما جاء بيانه في السنن { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ  } ماذا يجري لمن في السماوات ومن في الأرض ؟ يصعقون ، يموتون ، وبعض المفسرين يقولون : تصيبهم غشية ، فيصعقون ، وهذه الصعقة – عباد الله – صعقة تحمل في طياتها الفزع ، ولذا ماذا قال جل وعلا عن المتقين { لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ }الأنبياء103 هذا هو الفزع العظيم الكبير، بل عبَّر عنه بأنه
{ الْأَكْبَرُ } بصيغة أفضل التفضيل ، فلا أكبر منه ، ولا أعظم فزعا منه ، هذه الصعقة تحمل فزعا وخوفا ، ولذا قال تعالى { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ }النمل87 ، إلا من استثناهم الله عز وجل من الأحياء ، قال بعض المفسرين [ هم الشهداء ] وقال بعض المفسرين [ هم الحور العين ] وقيل غير ذلك ، المهم أن هناك طائفة قد استثناهم الله عز وجل ، لكن الخلق كلهم يموتون ، ولا يبقى أحد  { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ }القصص88 { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ{26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ{27}

{ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ{68}

{ ثُمَّ } تفيد الترتيب والتراخي ، والصحيح من أقوال العلماء أن النفخ في الصور نفختان ، لا ثالث ولا رابع لهما ، بدلالة الآيات الأخرى، هذا هو قول المحققين من أهل التفسير ، وبين النفختين كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( " ما بين النفختين أربعون " قيل لأبي هريرة رضي الله عنه أربعون سنة ؟ قال أبيتُ  ، قيل له أربعون شهرا ؟ قال أبيت ، قيل له أربعون يوما ؟ قال أبيت ) يعني امتنعت أن أقول ما لا علم لي به ، يقول ابن حجر رحمه الله كما في الفتح :  ما جاء من روايات أن ما بين النفختين أربعون سنة ، أو أربعون جمعة ، يعني أربعون أسبوعا ، فإنها أحاديث ضعيفة ، فيقول رحمه الله : الصواب / مع ما ذهب إليه أبو هريرة رضي الله عنه من أن ما بين النفختين مبهم في تعيين المعدود ، فالله أعلم بذلك ، ولكن لتعلموا أن ما بين النفختين تحصل رقدة بأهل القبور ، بعدما يفنى الخلق فيموتون يحل لأهل القبور رقدة ، أي ينامون – كما قال بعض المفسرين – ولذلك إذا نفخ في الصور نفخة أخرى ، وهي النفخة الثانية الأخيرة ، ماذا يقولون ؟ { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } وقال بعض المفسرين إنهم سموا مكوثهم في تلك الفترة وما يجري فيها من عذاب أليم على أهل الكفر ، اعتبروها رقدة مع أنه عذاب أليم ، لما رأوا العذاب الأكبر والأعظم وهو عذاب يوم القيامة { قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } فيجابون { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } يس52 ، فهل يستحق امتحان الدنيا هذا الاهتمام ؟ نعم يستحق ، لأننا أمة تُحب التطور والتقدم والرقي والنجاح ، ولكن لا يطغى هذا على امتحان الآخرة ، بل نذكر أنفسنا حينما تأتي هذه الامتحانات الدنيوية بالامتحانات الأخروية .

{ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ{68}

النفخة الثانية وهي الأخيرة يقومون من قبورهم وهم ينظرون ، ينظرون إلى ماذا ؟ ينظرون إلى النار ، ينظرون إلى الأهوال ، ينظرون إلى الميزان ، ينظرون إلى ما قدموه من أعمال ، كل ذلك يحصل لهم ، ثم في ذلك اليوم – عباد الله – تعلمون ما يجري للسماء من تناثر نجومها وتكوير شمسها وقمرها ، إذاً تلك المخلوقات التي تنير الأرض تختفي وتزول وتبيد ، أيكون الناس في ظلمة في أول ما يخرجون ؟ كلا ، يأتي نور الله الذي به يجعل جل وعلا لخلقه في ذلك اليوم قوة يتمكنون بها على تحمل هذا النور ، ولذا في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه ( لما قيل له يا رسول الله أرأيت ربك ؟ قال : نور أنَّى أراه ) وفي رواية عند مسلم (حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سُبُحات ) يعني عظمة وبهاء (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )

{ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ }

محصلة ذلك الاختبار ومحصلة ذلكم الجهد في تلكم الدنيا يظهر الآن ، كما أن محصلة الطلاب في الامتحانات الدنيوية يظهر عند ورود الأسئلة {وَوُضِعَ الْكِتَابُ } كتاب الأعمال ، توضع وتنشر ، فلا يختفي شيء مما عمله ابن آدم { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }الكهف49 { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ }الزخرف76 نحن الذين ظلمنا أنفسنا .

{ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء }

يؤتى بالنبيين ، من أولهم إلى آخرين ثم يسألون عن تبليغهم للرسالة {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ }الأعراف6 ، ويؤتى بالشهداء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لتشهد للرسل أنهم قد بلغوا قومهم الرسالة ، ويؤتى بالشهداء من الأرض ، من المواطن ، من الجوارح لكي تشهد على بني آدم بما عملوا ، هل هناك جور أو ظلم ؟ قد يحصل جور أو ظلم في تصحيح امتحانات الدنيا ، لكن في امتحانات الآخرة – كلا – ولذا يقول جل وعلا

{ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ{69}

لا يظلمون بزيادة في سيئاتهم ولا بنقصان من حسناتهم { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً }طه112{ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً }الجن13

{ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ }

توفية كاملة { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ{8} مثال ذرة ، نملة ، فما ظنكم بما هو يزن الجبال ؟! من باب أولى ، تلك الكتب والشهداء لكي يقيم الله سبحانه وتعالى حجته على خلقه ، وإلا فهو غني عن الكتابة { وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً }النبأ29، ولذا قال تعالى { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } ما ختام الآية ؟ { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ }الزمر70 لا يحتاج إلى مثل هذه الأشياء { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }البقرة255 لا يخفى عليه شيء { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }النمل75 { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } يونس61 { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }المجادلة6 .

ثم بعد فرز النتائج يظهر الرابحون والخاسرون ، ولكن هناك مجال للإعادة ، هب أنه ليس هناك مجال للإعادة ، فهناك سنة أخرى ، لكن هذا هو الاختبار الفاصل الجازم الحاسم الذي بعده لا ينفع الندم ، ويظهر الفريقان ، فيذكر الله سبحانه وتعالى الفريق الخاسر :

{ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً }

يساقون بعنف ، بشدة ، بقوة ، ثم هم في تلك الحال عطاش ، يساقون مع العطش { وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً }مريم86 أي عطاش ، يساقون زمرا زمرا ، كل جماعة مع ما تشاكلها وتناسبها ، وكل أمة وحدها { وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الجاثية28

{ حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }

 

ليس هناك سابق استعداد ، وإنما من حين ما يردون على النار تفتح لهم الأبواب حتى يعظم عليهم حرها ولهيبها وعذابها ، ثم مع العذاب البدني ، يأتي العذاب النفسي المعنوي وهو التقريع والتوبيخ من خزنة جهنم لداخليها

{ حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ } من جنسكم { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى } أقروا واعترفوا ، ولا نفع من هذا الإقرار ولا من هذا الندم ، انتهى كل شيء { وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }الأنعام27

{ قَالُوا بَلَى } ولكن يجابون { وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ{71}

كما قال تعالى في نفس السورة { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ }الزمر19 ، ثم يأتي الكلام القاسي :

{ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ{72}

ما مثوى تلك الفئة ؟ النار ، بئست وذمت وساءت ، هذا مثوى ومأوى من تكبر على طاعة الله ، من تكبر على الخلق والحق ، هب أن أحد أبنائنا قد رسب في الاختبار وتأثرت نفسيته بهذا الرسوب ، فهناك فرصة متاحة أخرى ، و لكن هل هناك فرصة متاحة بعد هذا الاختبار العظيم ؟ لا والله ، انتهى كل شيء .

ثم يأتي الفريق الفائز الناجح :

{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً }

سيقوا بحب ، بإكرام ، بتودد ، كل جماعة مع جماعة أخرى تناسبها وتشاكلها في الأعمال ، ويساقون وهم ركاب ، لا يساقون سوقا عنيفا على أقدامهم ، أو على وجوههم كما يكون لأهل النار – لا – يساقون كما قال كثير من المفسرين : يساقون على النجائب ، على أعظم الدواب وأفخرها وأحسنها ، كما قال تعالى { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً }مريم85 يعني على النجائب .

ثم ما الذي يحصل لأبوابها ؟ لا تفتح من حين ما يأتون أبدا ، بل يتريثون مهلة ، ولذا فرَّق عز وجل بين السياق الأول وبين هذا السياق ، فذكر الفاء في سياق أهل النار ، وذكر الواو في سياق أهل الجنة ، مما يدل على أن أهل الجنة لا تفتح لهم من حين ما يأتون ، وإنما ينتظرون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في فتح أبواب الجنة ، وهذه شفاعة تميزه صلوات ربي وسلامه عليه على سائر البشر ، لأن شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ، من بينها ما هو خاص به ، تكريما لهذا النبي العظيم عليه الصلاة والسلام ، أفلا نكرم نحن أنفسنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم باتباعه واقتفاء أثره ؟ هذا والله واجب علينا .

{ حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا }

نعيم بدني يتلقاهم { وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}الأنبياء103 ، ثم مع هذا النعيم البدني ، يأتي تكريم معنوي ، وهو أن يُرحب بالقادم ، أن يرحب بالوافد

{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } تحية من الملائكة ، وسلامة لكم من الآفات والشرور ، فأنتم في مأمن ، كما أن أهل التقوى في مأمن حينما تقبض أرواحهم ، كما قال عز وجل { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ{30} بل يصحبونهم مصاحبة اطمئنان { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ{31} نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ{32}

{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ } لما طابت جوارحكم وطابت ألسنتكم وطابت قلوبكم ، طاب لكم المقام ، بل إنهم إذا تجاوزوا النار ، حبس أهل النار عند قنطرة في آخر الصراط مما يلي الجنة ، يُحبسون – كما جاء عند البخاري – حتى إذا هذبوا ونقوا ، وكانت بينهم مظالم فتصافوا فيما بينهم ، أُذن لهم بدخول الجنة ، لأن الجنة لا يدخلها خبث { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ } فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ{73}

ماذا يقولون ؟ يحمدون الله عز وجل .

{ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } وعدهم بالجنة إذا عملوا الصالحات ، فهذا هو وعد الله ، كما قال في نفس هذه السورة { لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ }الزمر20 فيحمدون الله أن الله خلصهم من أحزان الدنيا { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ }فاطر34  { وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ }الأعراف43 { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }يونس10

{ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء }  

لأن الجنة يستوي عندهم فضلها ، فليس هناك شيء أفضل من شيء ، أو يملون من شيء دون شيء ، فهي عندهم خير ونعيم وسرور وبهجة ، نسأل الله الكريم من فضله ، ثم تمدح أعمالهم :

{ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ{74}  

{ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ }

قال تعالى { وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً }الفرقان { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ{23} سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ{24} فأي تكريم بعد ذلك التكريم ، من هو هذا الضعيف الذي يخسر هذه النتائج المفرحة التي لابد أن تأتي ولا محالة من ذلك ،  والملائكة يحفون من حول العرش ، والعرش هو سرير الملك ، له قوائم تحمله الملائكة ، وهو أكبر وأعظم المخلوقات ، وهو أول ما خلق الله .

{ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ }  

قضي بين الأولين والآخرين ، قضي بين أهل الجنة وأهل النار ، ثم ما ختام هذا القضاء المحمود ؟

{ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{75}

يحمد الله سبحانه وتعالى ، العجب أنه لم يبين من هو الحامد { وَقِيلَ } أبهم الحامد ، ليبين أن الخلق كلهم في ذلك اليوم يحمدون الله ، فأهل النار يحمدون الله عدلا منه لأنهم لم يظلهم ، وأهل الجنة يحمدون الله سبحانه وتعالى تفضلا وكرما منه جل وعلا ، فنسأل الله عز وجل أن ييسرنا للحسنى ، وأن يهدينا إلى سواء السبيل .

الخطبة الثانية

أما بعد : فيا عباد الله /

من منطلق قول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً}التحريم6 ومن منطلق قول النبي صلى الله عليه وسلم ( كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ) اليوم الآتي إن شاء الله الاختبارات ، وهذه الاختبارات أيها الأحبة في الله من حين ما عرفناها ، وفي أوقاتها وبعد فراغ أبنائنا من هذه الاختبارات ويخرجون من المدارس تحصل مفاسد كثيرة ، فعلى ولي الأمر أن يتقي الله سبحانه وتعالى في أولاده ، فإن فترة الامتحانات فترة لنشر الفساد ، فيها يُتعاطى الحبوب المنشطة ، بل قد يسوَّق للمخدرات ، وفيها ينتشر اللواط ، وفيها قد ينتشر الزنا ، فواجب على ولي الأمر أن يعرف وقت خروج الأبناء والبنات ، هذا هو الواجب عليه ، نعرف أن العبء ثقيل ، وأن الأمانة ثقيلة ، وأن التربية في هذا الزمن تربية شاقة ، ولكن لا يجوز لأحد أن يتخلى عن مسؤوليته وعن أمانته ، فواجب عليه أن يعرف وقت خروج أبنائه وبناته ، لأن بعض الآباء قد يكون حريصا على أولاده ، وقد يكون من طلاب حلقات التحفيظ ، ومن يتسمون بسمات الخير، لكن إذا جاءت فترة الاختبارات تغيرت أحوالهم  ،نتيجة ماذا ؟ نتيجة الاختلاط ، فلتعرف وقت خروجهم ولتأت لتأخذهم ، من بنين وبنات ، إذا كنت لا تستطيع فلتكن على اتصال دائم بالبيت ، متى وصل أبناؤك وبناتك إلى بيوتهم ، ولا تقل إن بعض أولادي في المرحلة الابتدائية ، والله إن الشر والفساد قد عمَّ وطمَّ ، فواجب على المسلم أن يتنبه لهذا الأمر ، وأن يتنبه لأبنائه في مثل هذه الفترة ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح لنا أولادنا ، اللهم أصلح لنا أولادنا ، اللهم اجعلهم قرة أعين لنا ، اللهم اجعلهم هداة مهتدين ، غير ضالين ولا مضلين ، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم ، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، وجعلهم من الراشدين ، اللهم ردهم إليك ردا جميلا برحتك يا أرحم الراحمين .

الخاتمة : ................

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com