: بحوث علمية
طباعة

  : بحوث علمية
نجاسة الكلب نجاسة مغلّظة تغسل سبع مرات، أولاهنّ بالتراب
 

 

 

 


بحوث فضيلة الشيخ:زيد بن مسفرالبحري

www.albahre.com

مسألة

نجاسة الكلب نجاسة مغلّظة تغسل سبع مرات، أولاهنّ بالتراب وهذا شامل لكل كلب، وما تولد من الكلب وغيره ، ومثل قيئه و لعابه ،و بقية فضلاته، ولا يجزئ غير التراب، إلا إذا عدم أو خشي فساد الإناء ولا يصح على الصحيح قياس الخنزير عليه ويعفى عما صاده الكلب.

الشرح

 هذه المسألة لها عدة تفريعات

الفرع الأول : أن نجاسة الكلب نجاسة مغلظة وذلك بأن تغسل سبع مرات من بين هذه السبع ( التراب ) ، والدليل : ما جاء عند الجماعة وهم [ أصحاب السنن والبخاري ومسلم والإمام أحمد ]  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) وقد جاءت رواية  ( أخراهن بالتراب )  ، فأي هاتين الروايتين تقدم  ؟ قال بن حجر رحمه الله إن رواية أولاهن أرجح من رواية أخراهن ، وذلك من حيث الرواية ومن حيث المعنى فأما من حيث الرواية فرواة أولاهن أكثر وأحفظ بخلاف رواية أخراهن ، وأما ترجيحها من حيث المعنى فلأن رواية أولاهن لا يحتاج بعدها إلى غسلة ، أما رواية أخراهن فيحتاج بعد هذا التراب إلى غسلة ، انتهى كلامه رحمه الله ، وقد جاءت رواية عند مسلم قال عليه الصلاة والسلام ( وعفروه الثامنة بالتراب ) وتوجيه هذه الرواية كما قال النووي رحمه الله أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوقع التراب موقع غسلة فصارت ثماني غسلات وهذا التوجيه من أجل البعد عن تغليط الرواة الثقات ،

الفرع الثاني :أن الكلب في الحديث محلى بالألف واللام و [ أل ] في أصلها تفيد العموم فتكون جميع الكلاب داخلة في هذا الحكم فيشمل أي كلب سواء كان كلبا صغيرا أم كبيرا أسود احمر يجوز اقتناؤه ككلب الصيد والماشية والزرع او لا يجوز اقتناؤه  ، ولو قيل إن الكلب الذي يجوز اقتناؤه يخرج من هذا الحكم بدليل ان الرسول عليه الصلاة والسلام قال في الهرة ( إنها من الطوافين عليكم ) وهذا الكلب مما يطوف علينا فقوله عليه الصلاة والسلام عن الهرة ( أنها ليست بنجس ) يقاس عليها الكلب الذي رخص الشرع باقتنائه ، فيرد على هذا القول بأن قوله عليه الصلاة والسلام ( إنها من الطوافين عليكم ) يخرج الكلب بدليل عموم الحديث السابق  ( طهور إناء أحدكم إ ذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) ولم يفرق عليه الصلاة والسلام ولو قيل إن الله عز وجل قال { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وقال تعالى    { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } وقال تعالى { وما جعل عليكم في الدين من حرج } والعلماء قد أخذوا من هذه الآيات قاعدة تقول (المشقة تجلب التيسير ] فلماذا لا ييسر في حق من اقتنى كلبا أجازه الشرع ؟ فيرد على هذا القول بأنه يمكن تخصيص آنية لهذه الكلاب ، ويقاس على الكلب المحض الكلب المتولد من ذكر وأنثى من جنس الكلاب يقاس عليه في هذا الحكم ما تولد من كلب ومن حيوان طاهر وذلك كأن ينزو الكلب على شاة فتلد هذه الشاة بهيمة فحكم فضلات هذه البهيمة كحكم فضلات الكلب الصرف للقاعدة الفقهية ( إذا اجتمع مبيح وحاظر على وجه لا يتميز فيه أحدهما غلب جانب الحظر )

الفرع الثالث :أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا ولغ الكلب ) ويدخل من باب أولى بقية فضلاته كبوله وروثه وقيئه ومنيه وهذا ما يسمى عند أهل الأصول بمفهوم الموافقة وسبق ذكر هذا في كتاب التوحيد وهذا المفهوم أعني مفهوم الموافقة من النوع الأول الذي يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق فالروثة والبول لا شك أنهما أشد من الريق ولو قال قائل : لماذا لا يكون هنا مفهوم مخالفة وذلك أن يكون ما عدا الريق غير داخل في هذا الحكم  ؟فنقول على التنزل بأنه مفهوم مخالفة فإن مفهوم المخالفة كما قال الأصوليون إذا جاء لبيان الغالب فلا مفهوم له ، فقوله عليه الصلاة والسلام  ( إذا ولغ ) فهذا هو الغالب ، فغالب ما يفعله الكلب في الإناء هو الولوغ لا التبول ولا التغوط والقاعدة الشرعية تقول ( إن الشريعة لا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين مختلفين ) وبالتالي فجميع فضلاته داخلة في هذا الحكم ، فلو قال قائل : إن ريق الكلب قد ثبت من حيث الطب أن به دودة شريطية تعلق بالإناء فإذا شرب منه الإنسان علقت بمعدته وجاء الطب بأن هذه الدودة لا يقتلها إلا التراب فلماذا لا يحصر الحكم في الريق  ؟ فالجواب  :  أن الأحكام الشرعية لا تتعلق بالأبحاث الطبية ولا بالنظريات التجريبية لأن أمثال هذه النظريات قد يحدث ما ينقضها من نظريات أخرى ومن ثم فلا وجه لإيراد مثل هذا الاعتراض 0

أما الفرع الرابع :ولا يجزئ غير التراب إلا إذا عدم أو خشي على الإناء من الفساد ، ولا يجزئ غير التراب لورود النص به من ثم فلو كانت هناك مواد في نظر الإنسان أقوى في التطهير فلا تجزئ وذلك لأن هناك أشياء مطهرة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كالسدر والقرظ ونحو ذلك ،ولم يشر إليها عليه الصلاة والسلام مع أنه عليه الصلاة والسلام يحب التيسير فدل على أن التراب هو المعني بذاته لكن بعض العلماء استثنى ترك التراب في حالتين

الحالة الأولى :إذا عدم التراب فيستغنى عنه بمواد أخرى لقوله تعالى{ فاتقوا الله ما استطعتم } ولقوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ،ولقوله تعالى { لا نكلف نفسا إلا وسعها } ولقوله عليه الصلاة والسلام( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )

الحالة الثانية:إذا خشي على الإناء أو على المحل الذي يراد تطهيره بالتراب إذا خشي عليه من الفساد لقوله عليه الصلاة والسلام  ( لا ضرر ولا ضرار ) ولأن فيه إفسادا للمال فيستغنى عن التراب بالمواد الأخرى ولتعلم أن هناك حالة ثالثة ، يستغنى فيها عن التراب وهي الحالة التي سبق ذكرها وهي إذا وقعت نجاسة الكلب على الأرض وما يتصل بها فيكفي في تطهيرها غسلة ،أو عدة غسلات حتى تذهب عين النجاسة وأما ما عدا الأرض وما يتصل بها فهذا هو حكمها , وأما طريقة استعمال التراب فإن بعض العلماء قال : يخلط الماء بالتراب حتى يتكدر ويتغلظ ،ولا يجزئ غير هذا ولهم وجه في هذا القول بدلالة قوله عليه الصلاة والسلام ( فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) فجعل التراب غسلة ،ويؤيده رواية مسلم التي وجهها النووي رحمه الله ( وعفروه الثامنة بالتراب ) فإن خلط الماء مع التراب بهذه الصفة يجعل التراب وكأنه غسلة ثامنة ، وقال بعض العلماء : يحتمل إجزاء ذر التراب ذرا ولكن القول الأول هو القول الأوجه

سؤال: هل هذا الحكم  متعلق بالإناء فقط أم أنه ينسحب على أي شيء بال عليه الكلب أو ولغ فيه  ؟ الجواب : تخصيص الإناء في الحديث لأنه يتناسب مع الولوغ فغالب ما يلغ الكلب في الإناء لكن لا يمنع دخول غير الإناء في هذا الحكم ,

سؤال: ما هي صور فساد الإناء  ؟ الجواب : من صور فساد الإناء أن هذا الإناء فيه شقوق فلو استعمل فيه التراب للصق به التراب ولا استفيد منه ، كذلك لو ولغ الكلب على ثوب الإنسان وثوبه خلق ولو وضع التراب عليه لأفسده وهذا ما نقله ابن قدامة رحمه عن أحد أئمة المذهب الحنبلي وهو ابن حامد رحمه الله يقول إذا فسد المحل فيعدل عن التراب ، وفي النفس من هذا شيء يعني أنه ليس مؤيدا تأييدا كاملا لان النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الغسل سبع غسلات ولم يذكر فساد الإناء من غيره وهب أن الإناء فسد فليفسد فهناك أشياء قد تفسد ولم يلتفت إليها الشرع ، اللهم إلا إذا لم يوجد إناء غيره.

الفرع الخامس:ولا يصح على الصحيح قياس الخنزير عليه ، هذه المسألة اختلف فيها فقال بعض العلماء أن الخنزير يأخذ هذا الحكم وذلك لأنه أخبث من الكلب وإذا كان أخبث فإنه يكون أولى بهذا الحكم  من الكلب وقال بعض العلماء : إن الخنزير لا يقاس على الكلب وأما كونه أخبث فصحيح لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدخل الخنزيرفي هذا الحكم ولا أشار إليه مع أن الخنزير كان موجودا في عهده عليه الصلاة والسلام وهذا القول هو الصحيح .

الفرع السادس: ويعفى عما صاده الكلب  الكلب المعلم للصيد يصيد بفيه وإذا  صاد بفيه قد يلامس هذا الصيد شيئا من لعابه فهل يلزم الصائد بغسل المصيد سبع مرات أولاهن بالتراب ؟الجواب : انه لا يلزم وهذا مما تسامحت فيه الشريعة فالنبي صلى الله عليه وسلم قال كما قال في الصحيحين ( إذا صدت بكلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ) والسائل جاهل لأنه سأله أي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد بالكلاب فأجابه بهذا الجواب ولم يذكر وجوب الغسل ولأن الصحابة رضي الله عنهم لم ينقل عنهم فعل هذا ولأنه قد يخرج مع العض ما لا يخرج مع الولوغ فلم يقل عليه الصلاة والسلام إذا عض وإنما قال إذا ولغ .

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com