: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
مم يبكون
 

 

 

 


خطبة ( مم يبكون ؟ )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

أما بعد : فيا عباد الله /

الإنسان إذا تهيأ للبكاء قيل له في اللغة ( أجهش بالبكاء ) فإذا امتلأت عيناه بالدموع ولم تنزل قيل ( اغرورقت عيناه ) فإذا نزلت هذه الدموع قيل ( دمعت عيناه ) فإذا كان مع هذا السيلان صوت قيل في اللغة هذا (بكاء ) بالمد ، وإذا كان هناك سيلان للدموع من غير صوت قيل

( بكا ) من غير مد .

البكاء – عباد الله – أنواع ، بكاء يخاف فيه الإنسان من حوادث الدنيا ، وهذا بكاء مذموم ، لأنه يولد الاكتئاب والقلق .

نوع آخر من أنواع البكاء : هو بكاء التصنع والكذب ، كما فعل أخوة يوسف { وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ } يوسف16، وهذا أيضا مذموم .

نوع آخر من أنواع  البكاء : هو البكاء لفقد حبيب ، فيكون محمودا إذا لم يصحبه تسخط ولا جزع ، في الصحيحين لما مات ابن النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم قال صلى الله عليه وسلم ( إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ،وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) تلك الأنواع من البكاء ليست محل حديثنا في هذا اليوم ، محل حديثنا في هذا اليوم هو البكاء خوفا من الله عز وجل ، البكاء للاعتبار والاتعاظ ، البكاء عند سماع أو تلاوة القرآن ، البكاء – عباد الله – من دلائل عظمة الله وقدرته ، ولذا قال { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى }النجم43 ، فهذا من دلائل وعلامات قدرة الله سبحانه وتعالى ، وما ألذ البكاء وما أحلاه وما أجمله إذا كان هذا البكاء خيفة من الله ، أو عند سماع وتلاوة القرآن ، أو عند الاعتبار والاتعاظ ، بعض السلف اشتكى عينه ، أصابها ألم ووجع ، فذهب إلى الطبيب ليبحث عن الدواء ، فقال له الطبيب عندي الدواء ، أعالجها شريطة ألا تبكي ، فماذا قال رحمه الله ؟ قال " لا خير فيها إن لم تبكي " فلا خير في عين لا تبكي من خشية الله جل وعلا ، ولذا جعل الله سبحانه وتعالى تلك الدمعة التي تسيل على الخدين خوفا من الله جعلها علامة على قوة الإيمان وصحة القلب ومعرفة الله وخشيته ، قال تعالى { قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً{107} وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً{108} وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً{109} لما ذكر سبحانه وتعالى كوكبة من الأنبياء في سورة مريم ماذا قال ؟ انظروا إلى أولئك الأخيار الأبرار ممن اصطفاهم الله عز وجل لنبوته ورسالته { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً{58} بل إن هذا البكاء ليس بكاءً عاديا ، بكاء تتصبب معه الدموع

   إذا اشتبكت دموع في خـدودٍ

 

تبيَّن مَنْ بكى ممن تباكى

يا عينُ قد صار البكا لكِ عادة

 

تبكين في فرحٍ وفي أحزانِ

 

{ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ } لم يقل [ تدمع ] تفيض من كثرة تصبب هذه الدموع { وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ } المائدة83 بل إن الإنسان العاقل المؤمن التقي الزكي إذا فاتته طاعة ليست واجبة عليه تأثر بفواتها { وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ }التوبة92 ، إن أعظم ما يفعله العبد من حيث البكاء ، أن يبكي على خطيئته وعلى ذنوبه ، لأن كثيرا من الناس وللأسف يبكي على خطايا وعيوب غيره ، وقد نسي عيوبه وأخطاءه ، ولذا النبي صلى الله عليه وسلم كما صح عنه عند الطبراني من حديث ثوبان ماذا قال ؟ قال ( طوبى لمن ملك نفسه ووسع بيته وبكى على خطيئته ) صحابة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يبكون ، لكن هذا البكاء كان بكاءً نافعا مفيدا ، نفوس تقية زكية نقية عارفة مؤمنة ، لم تعرف الخداع ولا الغش ولا الالتواء و لا النفاق ولا الكذب ولا المراء ولا الأفعال السيئة ولا الأقوال البذيئة ، قلوب طيبة ، لما طابت القلوب طابت الأعين ، ولذا يقول ابن القيم رحمه الله : " إذا قسا القلب قحطت العين ، وما أصيب عبدٌ بأعظم من ذنب من قسوة القلب " ولذا النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( كان يستعيذ بالله عز وجل من أربع ) من بين هذه الأربع ( من قلب لا يخشع ، ومن عين لا تدمع ) يقول أنس رضي الله عنه كما في الصحيحين يقول ( بلغ النبي صلى الله عليه وسلم شيء من أصحابه فخطبه فيهم وقال عرضت عليَّ الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، قال أنس رضي الله عنه ( فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين ) دموع معها صوت يخرج من الخيشوم ، وفي رواية البخاري ( ولهم حنين ) وهو صوت مع الدموع يخرج من الصدر ، هؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يمكن لعين بكت من خشية الله أن يصيبها عذاب الله ، في الترمذي كما صح عنه عليه الصلاة والسلام قوله ( عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) بل من المستحيل كما علَّق النبي صلى الله عليه وسلم أمرا على أمر ، أيمكن أن يعود لبن في الضرع ؟ لا يمكن ، كذلك لا يمكن أن تصيب النار عينا خافت وبكت من خشية الله ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن ( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ) بل تلك الدمعة الحارة التي نزلت على خد الإنسان ، تلك الدمعة الحارة إذا نزلت خوفا من الله فإنها بإذن الله واقية من لهيب وحر شمس ذلك اليوم الرهيب ، في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) ذكر منهم ( رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) بل إن القطرة الواحدة التي تجري من عينيك على خديك هي أحب شيء عند الله ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ( ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين ) ترى ما هما تلك القطرتان ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم ( قطرة من دموع من خشية الله ، وقطرة دم تهراق في سبيل الله ) بل كان النبي صلى الله عليه وسلم وما فتئ يحرص على هذا الجانب ، كان لا يدع فرصة للوعظ الذي به يسيل دموع أعين الصحابة إلا فعل ، النبي صلى الله عليه وسلم كما قال العرباض بن سارية كما في السنن ، قال ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ) علام لا تبكي أعيننا ؟ علام لا تخشع قلوبنا ؟ الجواب واضح وصريح ؟ الجواب / من الذنوب ، من سلم قلبه وسلمت جوارحه من الذنوب فإن قلبه يصفو ، وإذا صفا القلب صفت العين فأجرت دموعها خوفا من الله ، نبي الأمة صلوات ربي وسلامه عليه يبكي ، مم ؟ يبكي لفقد جاه ؟ أو ذهاب مال ؟ أو غرض من أغراض الدنيا ؟ لا والله ، عرضت عليه الدنيا كلها فرفضها ، يقول ابن الشِّخير كما في سنن أبي داود والنسائي ( دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز الرحى من البكا ) الرحى إذا دارت أصدرت صوتا ، هذا هو صدر النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى مع بكاء ، وفي رواية (ولصدره أزيز كأزيز المِرْجَل من البكاء ) كأزيز القدر إذا وضع فيه ماء وأغلي عليه في النار ) وهذا عجب ، نبي الأمة صلى الله عليه وسلم يبكي والأمة غارقة في لهوها وغيِّها وضحكها ، شباب الأمة تأنث وتخنث ، ونبي الأمة وهو النبي الذي هو أفضل الخلق صلوات ربي وسلامه عليه يبكي ، فلماذا لا تبكي أعيننا ؟ علام هذه القسوة ؟ علام هذه الغفلة ؟ يقول ابن مسعود رضي الله عنه – نفوس كانت متعلقة بالله عز وجل ، متعلقة برضى الله جل وعلا – في الصحيحين يقول ابن مسعود رضي الله عنه ( قال ليَ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم اقرأ علي القرآن ، قلت يا رسول الله أأقرأه عليك وعليك أنزل ؟ قال إني أحب أن أسمعه من غيري ، قال ابن مسعود رضي الله عنه فتلوت عليه صدر سورة النساء ، حتى بلغت قوله تعالى { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً }النساء41 ، قال ابن مسعود فغمزني رجل فرفعت رأسي فإذا عيناه تذرفان ) صلوات ربي وسلامه عليه ، بل إذا مرت به حادثة من حوادث الدنيا ، انظروا إلى حالنا تمر بنا الأحداث والأحداث ، وتأتي علينا المصائب تلو المصائب ، ومع ذلك لا تحرك في نفوس كثير منا أي موعظة أو أي ذكرى ، لما كسفت الشمس في عهده صلوات ربي وسلامه عليه ، والقصة في الصحيحين ، لكن موضع الشاهد في سنن النسائي ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كسفت الشمس في عهده إلا مرة واحدة ، وما كسف القمر في عهده أبدا ، انظروا إلى تلك الكسوفات والخسوفات التي تمر بنا ، يمكن في السنة أكثر من مرة ، لم ؟ آيتان يخوف الله بهما عباده ، ومع ذلك مرة واحدة  ( فلما أظلمت السماء قام عليه الصلاة والسلام وصلى صلاة طويلة حتى كان في آخر سجوده من الركعة الثانية جعل يبكي في سجوده ويقول رب لم تعدني هذا وأنا فيهم ، رب لم تعدني هذا ونحن نستغفرك ) بل كان عليه الصلاة والسلام من أحداثه التي تمر به يخشى الله ، في صحيح مسلم ( لما كان مسافراً بين مكة والمدينة مر على قبر أمه فلما رجع بكى حتى أبكى الصحابة رضي الله عنهم معه ، فقيل له يا رسول الله ما الذي يبكيك ؟ قال استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزورها فأذن لي ) انتهى الكلام ؟ لا ، قال عليه الصلاة والسلام ( فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ) من تذكر الموت دمعت عيناه ووجِل قلبه وخشعت جوارحه ، انظروا إلى عثمان رضي الله عنه ، في سنن الترمذي يقول هانئ مولى له يقول ( كان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف عند شفير القبر بكى حتى تبل دموعه لحيته ، فقيل له ؟ تذكر الجنة والنار ولا تبكي وإذا وقفت عند شفير القبر بكيت ؟! قال نعم ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: " القبر أول منزل من منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر ، ومن لم ينج منه فما بعده أشد ) هذا أبو بكر رضي الله عنه صاحب القلب الرقيق الخاشع الخاضع ، لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته وأناب أبا بكر ، ماذا قالت عائشة رضي الله عنها ؟ ( قالت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ) يعني صاحب قلب حزين ( إذا قرأ القرآن لا يملك نفسه من البكاء فلا يسمع من خلفه هلا أنبت غيره ) ماذا كان يقول رضي الله عنه ؟ وهذه دعوة من أبي بكر رضي الله عنه لمن قسا قلبه ، يقول رضي الله عنه ؟ ( من استطاع أن يبكي فليبك ، ومن لم يستطع فليتباك ) على أقل الأحوال يعود عينه على البكاء ( إن لم يبك ) بمحض إرادته ( فليتباك ) حتى يدخل ضمن الباكين ، هذا أبو بكر رضي الله عنه ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما ذكر السيوطي رحمه الله في تاريخ الخلفاء ، ذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( كان له خطان أسودان على خديه عند عينه من البكاء ) انظروا إلى هذه الدموع من تصببها وكثرتها أحدثت أثرا أسودا في خدي منْ ؟ من لا يقارن به أحد منا ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقول الجارود وهو أحد أصحابه ( كنت مع عمر رضي الله عنه ذات يوم ، فمرت بنا امرأة عجوز فأوقفت عمر وقالت هيه يا عمر ، لقد عهدتك في سوق عكاظ تصارع الصبيان وأنت تسمى بعمير ، فما ذهبت الأيام إلا وقد سمعت عمر ، وما ذهبت الأيام وما لبثت حتى سمعت الناس يقولون أمير المؤمنين ، اتق الله يا عمر في الرعية ، فإن من خشي الموت خشي الفوت ، فبكى رضي الله عنه من قولها ، فقال لها الجارود كفي لقد اجترأت على أمير المؤمنين وأبكيته ، فقال عمر رضي الله عنها دعها ، ألا تعلم من هذه ؟ هذه المرأة – وهي خولة بنت ثعلبة – التي سمع الله لكلامها وهي تجادل النبي صلى الله عليه وسلم ، أفلا يستمع عمر لكلامها ؟! ) عجائب وغرائب ، كأنها من أساطير الأولين إذا نظرنا إلى أحوالنا وإلى غفلتنا وإلى تضييعنا – سبحان الله – تُضيع الواجبات وتقترف المحرمات وكأننا من عباد الله المتقين المخلصين ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يبكي كما سمعتم ، يقول أنس رضي الله عنه ( تبعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم حتى انتهى بي الطريق إلى حائط ) يعني إلى بستان ( فدخل البستان ، فسمعته من وراء الجدار يقول أمير المؤمنين عمر لتتقين الله يا بن الخطاب أو ليعذبنك ) يحدث نفسه ، يقول أمير المؤمنين عمر لا تغرنك الخلافة والولاية والإمارة ( لتتقين الله يا بن الخطاب أو ليعذبنك ) قلوبٌ عرفت فصفت فنقت فخشيت فعظمت ربها وخالقها ، عمر بن عبد العزيز رحمه الله ( بكى بين أصحابه ذات يوم ، فقيل له ما يبكيك ؟ فقال تذكرت الدنيا وشهواتها فاعتبرت منها بها )  يقول أخذت العبرة من الدنيا ، الدنيا أوعظتني وأيقظتني فاعتبرت منها بها ( قيل كيف ؟ قال ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تأتي مرارتها ) ما يكون الإنسان في هذه الدنيا في رغد أو في سعادة إلا وتأتيه مرارة الدنيا ، لا يمكن أن يسلم أحد من عناء وتعب وكبد هذه الدنيا ، فيقول ما يكاد شهوتها تنقضي إلا وتأتي مرارتها .

وإن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر  إن فيها تذكرة لمــن ادكر

تقول زوجه فاطمة بنت عبد الملك ، تقول للمغيرة بن حكيم ( والله إن في الناس من هو أكثر صلاة وصياما من عمر ) تقول في أناس أكثر من عمر بن عبد العزيز صياما وصلاة ، ولكن تقول ( ما رأيت أحدا أشد خوفا من الله من عمر ، كان إذا صلى العشاء دخل بيته وجلس في مسجده ) يعني في مصلاه ( فرفع يديه وجعل يبكي حتى تغلبه عيناه ، ثم إذا استيقظ عاد مرة أخرى ) كل ذلك خوفا من الله ، أتدرون من هو عمر بن عبد العزيز ؟ رجل عاش في كنف الرغد والرخاء والمتعة والشهوة قبل أن يتولى الخلافة ، كان إذا مر يُعرف أن هذا الطريق مر به عمر بن عبد العزيز لتميز عطره ، كان يغير ملابسه في اليوم أكثر من مرة ، ثم لما تولى الخلافة نحَّى ذلك كله ، تقول فاطمة في أيام خلافته ، تقول ( دخل عليَّ ذات يوم فطرح علي كِساء خلِق ) يعني رث ، أين تلك الثياب الجميلة الجديدة الناعمة اللينة ( كساء خشن وخلق عاف عليه الدهر ، فألقى هذا الكساء علي ووضع يده على فخذي ثم ذكرني بأيامنا السابقة ، وقال لقد مرت بنا ليالي أنعم من هذه الليالي ، فذكرها ما نسيته من ذلك النعيم ، فتقول فضربت يده ضربة شديدة فنحيتها عن فخذي ، وقلت له لأنت اليوم أقدر من يومئذ ) يعني أنت الآن أقدر على جلب النعمة أكثر مما مضى ، لأنك فيما مضى كنت أميرا ، لكن أنت الآن خليفة ( لأنت اليوم أقدر من يومئذ ، قالت فسمعته يقول بصوت حزين  { إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }الأنعام15 فبكيت وقلت اللهم أعذه من النار )

ما رأيكم في أنفسنا ؟ ما رأيكم في أحوالنا ؟ الحسن البصري رحمه الله كان كثير البكاء من خشية الله ، قيل له يا إمام نراك طويل البكاء فلم البكاء ؟ فقال رحمه الله ( أخشى أن يطرحني في النار غدا ولا يبالي ) أبو هريرة رضي الله بكى عند موته ، فقيل له ما يبكيك ؟ قال ( والله لا أبكي لفراق دنياكم ، ولكن أبكي من بُعد السفر وقلة الزاد ولا أدري إلى أيتهما أصير ، إلى الجنة أم إلى النار ) ولذا يقول الحسن رحمه الله ، يقول ( المؤمنون قوم ذلت منهم الأسماع والأبصار والأبدان ، يحسبهم الجاهل مرضى وهم أصحاب القلوب الرقيقة ، ألم يقل الله عنهم { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ }فاطر34 دل على أن الدنيا هي دار الأحزان والهموم ، يقول ( والله إنهم كانوا يكابدون في الدنيا حزنا شديدا ، والله ما أحزنهم ما أحزن الناس ، ولكن أحزنهم وأبكاهم الخوف من عذاب الله ) ولذا يقول بعض السلف ( عودوا أعينكم البكاء ، وقلوبكم التفكر )

نسأل الله عز وجل أن يمن على قلوبنا القاسية بالإقبال عليه ، وعلى أعيننا المقحطة المجدبة بالخشية والخوف منه جل وعلا .

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله :

البكاء من خشية الله علامة على إيمان العبد وصحة قلبه وسبيل بإذن الله إلى التقرب إليه وإلى الخوف مما يأتي مما يلاقيه العبد بعد وفاته ، فالبكاء من خشية لو أمعن العبد النظر فيه لوجد فيه فوائد كثيرة ، والله إن البكاء من خشية الله صحة للقلب ، وإذا صح القلب معنويا صح حسيا ، ولذا مَنْ ضعف ومرض قلبه بالهموم وهو سليم في أصله ، عادت تلك الهموم والأحزان على قلبه بدنيا وحسيا ، فمرض قلبه .

الخاتمة : ............................

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com