بحوث فضيلة الشيخ / زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
مسألة:
يحرم حلق اللحية ولا عبرة بفعل ابن عمر رضي الله عنهما في أخذه ما زاده على القبضة في الحج ، وحد اللحية ما نبت على الخدين والذقن واللحيين
الشرح :
اللحية جاء الأمر بإعفائها وبتوفيرها قال النبي صلى الله عليه وسلم( اعفوا اللحى )
وقال كما في رواية مسلم ( ارخوا اللحى ) وضبطت ( ارجئوا اللحى ) يعني أخروها
وورد ( وفروا اللحى ) وكل هذه الأحاديث أمرت بترك اللحية واللحية حدها ما نبت على اللحيين والخدين والذقن 0
واللحيان : هما العظمان النابت عليهما الأسنان ، والخدان معروفان
والذقن : هو مجمع اللحيين من الأسفل ، ويخطأ كثير من الناس في تسمية اللحية بالدقن ، فهذا هو ضابطها وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعفائها فرجع إلى معناها في اللغة فوجد كما ذكر ، وعبارة (اعفوا ) تدل على الزيادة كما قال عز وجل { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا } أي / كثرت أموالهم وأولادهم ، ومن هذا الأحاديث يتبين لنا أنه لا يجوز على الصحيح أخذ شيء منها لا في حج ولا في عمرة ولا في أي حال من الأحوال ، وبعض العلماء يرى جواز التقصير ، وذلك بأن تساوى فيؤخذ من عرضها ومن طولها حتى قال بعضهم : لا يدعها طويلة حتى لا يستقبح منظره ، وفي هذا مجازفة وذلك لأنه خلاف الأمر بالتوفير والإعفاء ، ويستدلون أيضا : بفعل ابن عمر رضي الله عنهما كما جاء في صحيح البخاري (انه كان يأخذ من لحيته في الحج والعمرة ما زاد عن القبضة ) ، فيقبض على لحيته وما زاد يقصها ،ويستدلون أيضا : بما جاء عند أبي داود وحسنه ابن حجر رحمه الله في الفتح قال جابر ( كنا نعفي سبالاتنا إلا في حج أو عمرة ) ، وممن يختار الأخذ منها الألباني رحمه الله ، وهناك من سبقه من المتقدمين ولكن الصحيح انه لا يجوز أخذ شيء منها لا في حج ولا في عمرة ولا في غيرهما ، وذلك لأن الحديث الذي أخرجه الترمذي ( كان الرسول يأخذ من لحيته من طولها وعرضها ) قال عنه البخاري : هذا منكر،والمنكر هو / ما خالف الضعيف فيه الثقة ، وهو يختلف عن الشاذ ، فالشاذ مخالفة الثقة من هو أوثق منه ، وقد حكم عليه الألباني بالوضع قال : إنه موضوع ، أما فعل ابن عمر رضي الله عنهما / فهو رأي رآه حتى وجّه بعض العلماء فعله هذا في النسك كي يجمع بين التقصير والحلق لقوله تعالى { محلقين رؤوسكم ومقصرين } ،فلما حلق رأسه ولم يبق موضع للتقصير قصر من لحيته ولكن هذا التوجيه مردود بما جاء عنه في غير البخاري كما قال ابن حجر رحمه الله من انه كان يفعل ذلك في غير النسك ، وأما حديث جابر فإن هذا الحديث قد يحمل على ما نزل من شعر الشارب ، وقد يحمل على ما نزل من شعر اللحية مما زاد على القبضة وعلى كل حال فعلى الاحتمال الثاني لا يكون هذا فعلا لجميع الصحابة وإنما لبعضهم وذلك لأنه في حجة الوداع لم ينقل مثل هذا عن النبي ولا عن الصحابة ولو حصل من بعضهم لنقل نقلا مستفيضا لأن هذه الحجة ذكر الصحابة كل ما جرى فيها ومن ثم فإن فعل بعضهم يكون فيما سبق من الأنساك التي يؤدونها وليس فيها فعل من الجميع ، وعلى الاحتمال الأول وهو الأقوى بل هو المتعين لقوته انهم كانوا قبيل ما يؤدون النسك يوفرونها حتى يحفوها امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من النسك بأخذ شواربهم ومعلوم أن السبال في الأصل هو ما نبت على الشفة مما نزل منها وقد يطلق على اللحية سبالا باعتبار القرب على اعتبار أن السبال المذكور في حديث جابر هو اللحية بدليل ما سيأتي في حديث أبي أمامة ( إذ قالوا يا رسول الله : المجوس يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فأمر بمخالفتهم ) فدل على أن السبال هو ما نزل من الشفة ولا يعرف أنه هو اللحية إلا إذا سلمنا بأن ما في حديث جابر هو اللحية وهذا ليس بواضح من حديث جابر لكن واضح في بعض الآثار التي نقلها الألباني عن بعض الصحابة في كونهم يأخذون من لحاهم لاسيما أن ابن عمر هو راوي حديث ( خالفوا المجوس أوفوا اللحى ) ، والجواب عن هذه الآثار كما أسلفنا هو اجتهاد ومخالف للنص القولي والفعلي والعبرة بما روى الصحابي لا بما رأى لاسيما وأن أبا هريرة كما جاء عند مسلم روى هذا الحديث ( جزوا الشوارب وأرخوا اللحى ) ، وكذلك رواه أبو أمامة كما سبق ولا يعرف عنهما أنهما خالفا ما روياه ولو عرف فالعبرة بما روياه لا بما رأياه ، ولم لم يكن هناك ما يرد به على هذه الآثار فسنة النبي القولية والفعلية صريحة في مخالفة هذه الآثار فقد كان لا يتعرض للحيته وقد أمر بذلك وقال ( خالفوا المجوس فإنهم يوفرون سبالاتهم ويحلقون لحاهم )
أما قول البعض : إن الحلق هو المحرم لوقوع المشابهة بالمجوس فغير مسلم وذلك لأن الأمر واضح بالتوفير ثم إن العجب أن الألباني رحمه الله في كتاب حجاب المرأة المسلمة يحسن حديث ( أبي أمامة ) ويحسنه ابن حجر لكن حديثنا مع الألباني فهو يحسن حديث أبي أمامة وفيه قالوا يا رسول الله إن المجوس يقصون عثانينهم ) والعثانين هي ( اللحى ) ويوفرون سبالاتهم فأمر الرسول بمخالفتهم )
فهذا نهى صريح على أن القص فيه مشابهة لهم ولا مانع أن منهم من كان يحلق ومنهم من كان يقص لذا جاءت روايات ( خالفوا المجوس ) وفي روايات ( خالفوا الأعاجم ) واللحية سنة من سنن الفطرة كما سلف وهي من سنن الأنبياء قال هارون لأخيه موسى عليهما الصلاة والسلام { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } حتى إن حديث ( رويفع ) والذي فيه قال :( يا رويفع لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من تقلد وترا أو عقد لحيته أو استنجى بعظم أو رجيع دابة فإن محمدا بريء منه ) ، فهذا فيه دلالة على أن الفطرة تقتضي ترك اللحية وأن من كان في السابق يبقيها ولكن يعقدها خيفة من العين أو تكبرا .
وأما العَنْفَقة :فهي الشعر الذي يكون تحت الشفة السفلى لم أر من تحدث عنه أهو من اللحية أم من غيره ؟ و الذي يظهر لي ظهورا واضحا أنها من اللحية ، وذلك لما جاء في حديث أنس يصفا بياض شعر الرسول بأنه قليل قال:( كان بياض شعره في مقدمة لحيته في العنفقة قليلا وفي رأسه لا يكاد يرى) ، فقوله ( في العنفقة قليلا ) ولم يأت بحرف عطف ، فدل على أن العنفقة من اللحية ومن مقدمتها ويدل لهذا أن الرأس مغاير للحية فأتى بحرف العطف قال ( وفي الرأس لا يكاد يرى ) واستدل بعض المعاصرين على جواز حلقها بحديث ( خصال الفطرة) وذكر منها إعفاء اللحية ) فنظر من زاوية واحدة وأغمض عينيه عن زوايا أخرى فنظر إلى هذا الحديث وترك الأحاديث الأخرى التي أمرت بتوفيرها وإعفائها ثم لا يلزم أن ما ذكر من خصال الفطرة انها ليست بواجبة ( فالاستنجاء واجب ) وذَكْرَ ( المضمضة ) وهي واجبة ، فنحن نوافقهم على أنها من الآداب التي هي الآداب الواجبة لصراحة الأمر وتكراره والتنوع في عباراته والتنصيص على علته وهي مخالفة المجوس والرسول قال كما عند أبي داود ( من تشبه بقوم فهو منهم ) ، قال شيخ الإسلام رحمه الله : هذا ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم ،وأقل أحواله التحريم
ومما يدل على عدم الأخذ منها الأحاديث الصحيحة التي جاءت بالنهي عن نتف الشيب قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تنتفوا الشيب ) ، وهذا عام في شيب الرأس وفي شيب اللحية وهذا الشيب يستحب أن يخضب ولذا أم سلمة رضي الله عنها كانت تخرج شعرات للرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته شعيرات حمراء كما عند البخاري ولا يتعارض هذا مع قول أنس رضي الله عنه( كان شعر الرسول قليلا نحوا من أربع عشرة شعرة بيضاء ) ، ولذا قال النووي رحمه الله : فعله تارة وتركه وقتاً آخر ، وقد قال بعض العلماء ليس هذا بخضاب وإنما هو من الطيب فإذا تطيب احمَرّ شيبه ، ولكن التوجيه الأول هو الأظهر كما قال النووي وابن حجر وغيرهما ، وذلك لأن أم سلمة كانت تخرج هذا الشعر المخضوب فلو كان من الطيب لما بقي هذه المدة ، وقد قال بعض العلماء توجيها آخر : وهو أن من كان شعره الأبيض يزيده حسنا فلا يخضب كحال الرسول ومن كان سوى ذلك فليخضب ولكن ما رجحه النووي وابن حجر هو الصحيح ، ويكون صبغه بغير السواد كالحناء والكتم فالحناء أحمر ، والكتم / يضرب لونه إلى السواد لكنه ليس بأسود خالص ، فالنهي هو عن الأسود الخالص الصِّرْف ،لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم لما أوتي بابن أبي قحافة والد أبو بكر ورأسه كالثغامة بياضا وهو نوع من العشب ، قال : (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد ). ولقوله كما في بعض السنن ( سيكون قوم من أمتي يخضبون بالسواد كحواصل الطير لا يجدون ريح الجنة ) ، ولا عبرة بقول من يقول : إن النهي عن السواد خاص بكبار السن حتى لا يدلس على غيرهم وذلك لأن الحديث عام ، فالعبرة وجود الشيب في صغر أم في كبر ، ولذا البعض قد ينتشر الشيب فيه وهو في سن الشباب وأما فعل بعض الصحابة فهذا فعل والفعل من الصحابي لا يلتفت إليه إذا كان يخالف النص الصريح ولذا بعض المفتين ممن يخضب بالسواد يحيل إلى كتاب زاد المعاد ، وهذا ليس بحجة ، هذه الإحالة ليست بحجة فإن زاد المعاد ليس حجة على عباد الله ثم إن قراءة الكتب ولاسيما في المسائل التي يترتب عليها أمور حاسمة تحتاج إلى إعادة قراءة وإلى تأمل ، فإنه رحمه الله ما أجاز ذكر الوجه الأول وفي ذكره له ذكر بصيغة موهمة ثم ذكر الوجه الثاني ، وعلى كل حال حتى لو رأى ابن القيم الجواز فسنة النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة وكل يؤخذ من قوله ويرد ، وقد أخبر الصحابة وتغاير خبرهم في الشعرات البيضاء في رأس ولحية النبي صلى الله عليه وسلم فمن قائل إنها أربع عشرة شعرة بيضاء ، ومن قائل : إنها عشرون شعرة . وعلى كل الأحوال فإن الشعر الأبيض فيه قليل وقد وضح الرسول سبب هذا الشيب قالوا : يا رسول الله قد شبت ، أي قبل المشيب قال : شيبتني هود وأخواتها ، جاء في حديث آخر بيان إخوانها وهي ( الواقعة – المرسلات – وعم – وإذا الشمس كورت) ، ومن ثم فإن بعض الشراح لهذا الحديث قال :إن هذا الشيب ليس هو الشيب المذكور في شعره إنما هو شيب البدن ، أي ضعف بدنك ، ونحل جسمك قبل المشيب وحملهم على ذلك أن الشيب الموجود فيه قليل فإذا كان كذلك فإن الشيب نوعان
1- شيب في الشعر ،
2- وشيب في البدن .
|