: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
بعض المسائل المتعلقة بالأضحية
 

 

 

 


خُطبة( بعض المسائل المتعلقة بالأضحية )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

أما بعد : فيا عباد الله /

أعرض على مسامعكم في هذه الخطبة بعض المسائل المتعلقة بالأضاحي :

فمن مسائل الأضاحي :

أن الأضحية تضمنت أعظم التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالمال ، فإن أعظم القُربات المالية هو أن تريق الدم من بهيمة الأنعام لله سبحانه وتعالى ، ولذا كما قال شيخ الإسلام رحمه الله " لقد جمع الله بين أفضل العبادتين - العبادة المالية والعبادة البدنية – العبادة المالية هي الذبح أو النحر ، والعبادة البدنية هي الصلاة " قال تعالى { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ{1} ما الذي بعدها ؟ { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{2} وقال تعالى { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام162{ نُسُكِي } يعني ذبحي ، فجمع بين الصلاة والذبح ، ومن ثم فإن الذبح إذا كان أعظم القربات المالية التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى فإن على المسلم أن يحرص على التضحية في الأيام القادمة ، لأن لها مزية كبرى وفضيلة عظمى ، ولذا أوجبها بعض العلماء على مَنْ كان له سعة ، فلذا يحرص المسلم عليها ، وهذا هو رأي لشيخ الإسلام رحمه الله " من أنها واجبة على الغني " لقوله تعالى { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{2} ولقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن ابن ماجة ( مَنْ وجد سعة ولم يُضحِ فلا يقربن مصلانا ) ولما في مسند الإمام أحمد والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( على كل أهل بيتٍ أضحية ) .

ومن ثمَّ فإن الذبح إذا كان أعظم القربات المالية لله سبحانه وتعالى فلا يُغني عن التضحية شيء من المال في وقتها ، ولذا يقول شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله يقولان : " إن التضحية في وقتها أعظم من الصدقة ولو بأضعاف مضاعفة ، ولذا الصحابة رضي الله عنهم ومن قبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعدلوا عن التضحية إلى التصدُّق بالمال ، بل لو ورد شيء من ذلك لورد عن بعضهم ، ولم يرد شيء عن بعضهم ، فدل على أن الأفضل والأكمل والأحسن في حق المسلم في أيام الأضاحي أن يجعل ثمنها في أضحية "

ومن مسائل الأضاحي :

أن الله سبحانه وتعالى لعظيم الذبح له ، أنه أوجبها على كل ملة من الملل السابقة ، قال تعالى  { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً }الحج34 ، يعني قربانا يُتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى ، ولذا لما كان الذبح من أعظم القربات لله سبحانه وتعالى جُعل مَنْ صرفه لغير الله جُعل مشركا بالله شركا أكبر يُخرجه عن ملة الإسلام ، ولعظيم الذبح لله فإن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم عليه السلام - كما تقرؤون في كلام الله – أمره أن يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام تقربا لله سبحانه وتعالى ، فلما أذعن إبراهيم وإسماعيل لأمر الله  { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }الصافات 107

ومن مسائل الأضاحي :

أن الأفضل في الأضاحي أن تكون التضحية بالأملح ، والأملح ما كان بياضه أكثر من سواده ، يعني أن البياض أكثر ، لو عُدل إلى غير ذلك لجاز ، لكن حديثنا عن الأفضل ، ما كان بياضه أكثر من سواده وأن يكون له قرنان ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ( ضحى بكبشين أقرنين أملحين ) والأفضل أن تحرص في اللون الأسود في بهيمة الأنعام على ما كان قريبا من الفم والعين والمبارك والأقدام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم ( ضحى بكبش ينظر في سواد ، ويطأ في سواد ، ويبرك في سواد ) وعند أبي داود ( يمشي في سواد ، ويأكل في سواد ) فدل على أن هذه المواطن يستحب أن يكون فيها اللون الأسود ، و لو ضحى بخصيٍّ لجاز ، يعني لو ضحى بكبش مخصي - لا بأس بذلك - بل جاءت السنة بذلك ، فقد ضحى عليه الصلاة والسلام كما جاء عند ابن ماجة ( بكبشين مَوْجُوءين ) يعني مخصيَّين .

ومن مسائل الأضاحي :

أن الأضحية في أصلها للأحياء - هذا هو الأصل – أنها للأحياء ، وإذا كان لديك أموات فأشرك هؤلاء الموتى في الثواب ، أما أن يُستقل ويفرد بأضحية ، فهذا لم يرد ، اللهم إلا إن كان لهؤلاء الموتى وصايا ، إن كانت لهم وصايا فيجب عليك أنت أيها الموصَى أن تتقيد بوصية الموصِي الذي هو المتوفى دون زيادة ودون نقصان . 

ومن مسائل الأضاحي :

أن البعض من الناس يسأل كثيرا ويقول : أنا مع أبي ، أو مع اخوتي في بيت واحد وكلٌ مِنَّا في دور مستقل ، أو أننا في دور واحد أو في بيت واحد مفتوح بعضه على بعض ، وأكلنا واحد وشربنا واحد ، أتجزئ عنا أضحية ؟

لتعلم أُخيّ أن الأفضل في حق من وجد سعة من المال أن يضحي عن نفسه وعن زوجته وعن أولاده ومن يعول ، هذا هو الأفضل والأكمل في حق الإنسان ، بل إن الأكمل والأفضل في حق الشخص الواحد ألا يقتصر على أضحية واحدة، إن كانت لديك سعة من المال فضحِ بعشر ، بعشرين ، بثلاثين - إن كانت لديك سعة – فإن من أعظم القربات في مثل هذه الأيام التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بذبح الأضاحي ، ولذا نبينا صلى الله عليه وسلم في الهدي كان يكفيه سُبع بدنة ، ومع ذلك أتى بمائة بدنة تقربا إلى الله سبحانه وتعالى ، فاحرص إذا كانت لديك سعة أن تكثر من الأضاحي .

 

ومن مسائل الأضاحي :

أن الواحدة من الغنم تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته ومن يشاء أن يُشرك من أقربائه ، وكذلك سُبع البدنة وكذلك سُبع البقرة ، ولكن يجب أن تكون هذه البهيمة قد وجدت فيها الشروط المعتبر ، فلابد أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعا :

" الضأن  " ستة أشهر فما فوق ، لا يقل أحد لابد أن أذهب وأبحث عن ضأن عمره ستة أشهر لا يزيد ولا ينقص ( كلا )  المقصود من ذلك أن أقلَّ ما يجزئ في الغنم من الضأن " من ستة أشهر ، يعني نصف سنة فأكثر "

" من المعز " سنة فأكثر .

" من البقر " سنتان فأكثر .

" من الإبل " خمس سنوات فأكثر .

 

ومن مسائل الأضاحي :

أن على المسلم أن يحرص على ما كان سمينا باهظ الثمن ، بقدر المستطاع { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }التغابن16 ، حديثنا عن المستطيع أن يبحث عن السمين ذي الثمن الباهظ ، لأنه ما أنفق هذا المال الكثير إلا حبا لله ، وتقربا إلى الله سبحانه وتعالى إذ قَدَّم ماله طلبا لثواب وأجر الله سبحانه وتعالى .

ومن مسائل الأضاحي :

أن تخلو من الأمراض التي لا تجزئ في الأضاحي ، النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في السنن ( أربع من الأضاحي لا تجزئ : العوراء البين عَوَرُها ) إذاً العمياء من باب أولى ، ما كان أعظم فهو أولى بهذا الحكم ( العوراء البين عَوَرُها ، والعرجاء البين عرجها ) إذاً التي انكسرت يدها أو انكسرت رجلها من باب أولى ( والمريضة البين مرضها ، والهزيلة التي لا تُنقي )

الهزيلة : الضعيفة .

التي لا تنقي : يعني التي لا مُخ فيها .

فاحرص تمام الحرص على الأجود والأكمل ، لكن لو أن الإنسان وجد أضحية وعنده مال على قَدْرِه ، فوجدها قد خُرقت أذنها أو شق نصف أذنها أو كلها ، أو انكسر قرنها كله أو نصفه ، أو انكسرت أسنانها أو شيء من أسنانها – فلا بأس بذلك – المهم أنها تكون خالية من تلك العيوب الأربعة وما كان أعظم منها ، لكن كما أسلفت كلما كانت أكمل في الصفات كلما كانت أعظم أجراً وتقرباً إلى الله سبحانه تعالى .

ومن مسائل الأضاحي :

أن المسلم إذا كان يُحسن الذبح فليحرص على أن يذبح بنفسه ، وإلا يوكل شخصا آخر يُحسن الذبح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى الذبح بنفسه ، ولأن الإنسان كلما تولى القربة بنفسه كان أعظم ، لأنه لما يذبح يعاني في أثناء الذبح ، هذه المعاناة وتلك المشقة يؤجر عليها ، يستشعر أنها تقربه إلى الله سبحانه تعالى ، لكن مَنْ لا يُحسن لا جناح عليه ولا إثم ، بل حتى لو كان يُحسن لا بأس أن يوكل شخصا آخر ، لكن كلامنا فيما هو متعلق بالأفضل والأكمل .

ومن مسائل الأضاحي :

أن الأضحية لا تجزئ إلا إذا حان وقتها ، متى يحين وقتها ؟ بعد الفراغ من صلاة عيد الأضحى ، فمن ذبح قبل ذلك فقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( مَنْ ذبح بعد الصلاة ، فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين ، ومن ذبح قبل الصلاة فليعد مكانها أخرى ) ولذا أبو بردة لما استحسن الأمر ، قال أتعجل بالذبح – كما جاء في الصحيحين قال ( أتعجل بالذبح كي أُطعم أهلي وأقربائي وجيراني ) استحسن هذا الأمر ( فذبح قبل الصلاة ، فلما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالخبر قال : شاتك شاة لحم ) لأنه ليس لنا حق أن نفعل ما نشاء فيما يتعلق بالعبادات ، بل نحن عباد مأمورون بأمر الشرع ، لا نتجاوز شيئا من أمور الشرع .

ولتعلم أُخيّ أن الذبح يمتد في أيام التشريق ، وأيام التشريق أيام ثلاثة بعد العيد " اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر " هذه أيام التشريق ، وينتهي الذبح بآخر يوم من أيام التشريق ، يعني بغروب شمس اليوم الثالث عشر ، إذا أذَّن المؤذن لصلاة المغرب في اليوم الثالث عشر فقد انتهى وقت الذبح .

ولتعلم أن الذبح يستوي في أيام التشريق وفي يوم العيد يستوي فيه الليل والنهار على حدٍّ سواء ، ذبحت بالليل بعد غروب الشمس ، ذبحت بعد صلاة العشاء ، ذبحت الساعة الثانية عشرة ليلا ، الساعة الواحدة ليلا ، فلا بأس بذلك ، بالليل أو بالنهار سواء في الحكم ، وما ورد من حديث   ( ينهى عن الذبح بالليل ) فإنه حديث لا يصح .

 

ومن مسائل الأضاحي :

أن يحرص المسلم– إذا كان لا يذبح هو – إن كان يذبح يقول ( بسم الله ) وهذا هو الواجب والشرط في صحة أكل هذه البهيمة ، لابد أن يقول ( بسم الله ) ويقول ( الله أكبر ) وهذا سنة ، ولو لم يقل التكبير لا بأس بذلك ، ويقول ( اللهم إنَّ هذا منك ولك ) كما ورد عند أبي يعلى ( اللهم منك ) زرقا ( لك ) تعبدا وإخلاصا وتعظيما ، ويقول أيضا كما ورد عند مسلم ( اللهم تقبله مني )

إذاً يقول : ( بسم الله ، الله أكبر ، اللهم إن هذا منك ولك ، اللهم تقبله مني ، اللهم إن هذا عن فلان وعن فلان وعن أهله ) وما شابه ذلك مما يريد أن يشرك الثواب معه في هذه الأضحية ، لكن إن كان لا يذبح ينبه هذا الذابح يقول له قل ( بسم الله ) ينبهه ، لأنه مع كثرة الذبائح التي يذبحها ربما ينسى  ، يُنبه ، وليتنبه الذابح أيضا إلى هذه القضية وهي قضية البسملة ، ونقطة مهمة جدا تدور حول البسملة ، بعض مَنْ يذبح ربما يضع الشاة أو الخروف على الأرض ويسمي يقول ( بسم الله ) فيأتي شخص آخر ويقول ( لا ، أنا قبل فلان ) فيترك أضحية فلان ويأتي بأضحية هذا الرجل الذي اعترض ويضعها على الأرض ثم يذبحها اكتفاءً بالبسملة الأولى – هذا خطأ – كل أضحية لابد أن تكون لها بسملة ، لابد أن يقول ( بسم الله ) سواء في الأضاحي أو في غير الأضاحي ، لابد أن يذكر اسم الله على تلك التي يراد ذبحها ، فلو أنه أخذها ثم قال ( بسم الله ) ثم أراد أن يذبح غيرها فلابد أن يعيد البسملة مرة أخرى ، ولا يظن أن قول ( بسم الله ) على السكين ( لا ) السكين ما لها علاقة بها ، لو أنه غيَّر السكين واكتفى بالبسملة – لا بأس بذلك – القضية تتعلق بهذا المذبوح ، لابد أن يُذكر اسم الله على هذا المذبوح وإلا لم يحل .

ومن مسائل الأضاحي :

أن من أراد أن يضحي فعليه أن يمسك عن أشعاره وعن أظفاره وعن بشرته ، كما ورد في صحيح مسلم من حديث أم سلمة لنهيه عليه الصلاة والسلام ، والحكم يبدأ من أيام العشر ، لكن البعض من الناس قد ينوي في أثناء العشر ، قد يأتي في مثل هذا اليوم ويقول وجدت سعة وأريد أن أضحي ، نقول : أمسك من الآن ، يقول : أخذتُ قبل يوم أو قبل يومين ، نقول : لا بأس ، الحكم يتعلق بالنية ، فمتى ما أردتَ فأمسك ، لو نوى فما مضى لا يؤثر في الأضحية بل يمسك فيما يُستقبل .

ثم ليعلم أن هذا الحكم متعلق بالمضحي ذاته ، أما أهله ، أما أبناؤه ، أما مَنْ يشركهم في الثواب فلا علاقة لهم بهذا الحكم لقوله عليه الصلاة والسلام ( إذا دخل هلال ذو الحجة وأراد أحدكم أن يضحي ) ولم يقل " يُضحى عنه ( وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئا )

ثم هنا مسألة أخرى تتعلق بهذا الحكم ، وكثيرا ما نُسأل عنها يسأل الرجل أو تسأل المرأة :  لو أنني وكَّلت ابني في الأضحية ، أيحق لي أن آخذ ما شئت من الشعور والأظافر ؟

الحكم : لا يحق لك ، المُوَكَّل على أضاحي ، أو الوصي الذي عنده وصايا أموات وهو لا يريد أن يضحي لنفسه ، رجل ما عنده مال ولكن عنده وصايا صار موصَى  ، فهنا لا يتعلق به هذا الحكم ، فله أن يأخذ من شعره ومن أظفاره ، إنسان يريد أن يتبرع لفلان من الناس بأضحية وهو لم يضح ، وهذا يحصل كثيرا فيما لو أن الإنسان أراد أن يتمتع ،  الهدي الذي في مكة يغني عن الأضحية ، لو جمع مع ذلك أضحية فهذا خير على خير ، وهذه مسألة مهمة جدا سأعود إليها إن شاء الله تعالى ، لو أن الإنسان أراد أن يحج وأن يتمتع ، أهله هنا سيتبرع لهم ، هو لا يريد أن يضحي ولا يشرك نفسه ، هو يريد أن يضحي عن أهل بيته ، هو الآن متبرع ، لا يتعلق به الحكم ، إذاً الوكيل ، الوصي ، المتبرع ، لا يتعلق بهم هذا الحكم ، إنما يتعلق الحكم بمن أراد أن يضحي .

ومن ثم فهنا أمر آخر وهو : أن البعض من الناس سيحج متمتعا وسيهدي فبعضهم يظن أن المنع من الأخذ من الشعور والأظافر متعلق به هو – هذا خطأ – إذا أردت أن تتمتع وأن تُهدي فلا حرج أن تأخذ من شعرك ولا من أظفارك – لا حرج عليك – فإن هذا الحكم متعلق بالأضحية ، ليس متعلقا بالهدي ، اللهم إلا إذا أردت أن تجمع بين الهدي والأضحية ، هنا يتعلق بك الحكم ، ومن ثم فإنك إذا وصلت الميقات لا تأخذ لا من شعرك ولا من أظفارك حتى تُخبر بأن أضحيتك قد ذبحت ، اللهم إلا عند الفراغ من سعي العمرة سوف تقصر للنسك – فلا بأس – لأنه واجب من واجبات العمرة ، تقصر شعرك كله من جميع جوانبه ، وهنا تمسك بعد ذلك عن الأخذ من الشعور والأظافر حتى تُخبر أن أضحيتك قد ذبحت .

الخطبة الثانية

أما بعد : فيا عباد الله /

لا شك كما هو معلوم لدى الجميع مما يسمعونه من وسائل الإعلام أو ما يقرؤونه في الكتب النافعة ، أو ما يسمعونه من العلماء والدعاة والخطباء ، لا شك أنهم يعلمون فضل هذه العشر ، وهذه العشر لم يبق عليها سوى أيام ، فخليق بالمسلم أن يغتنم ما تبقى منها ، من الصيام، من الصدقة ، من قراءة القرآن ، من سائر التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، نبينا صلى الله عليه وسلم كما صح عنه في سنن أبي داود والترمذي ( كان يصوم هذه التسع ) عن بعض أزواجه ، لو لم يصح هذا الحديث ، على افتراض أنه لم يصح – وهو صحيح – فإن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قد دخل فيه الصيام ودخلت فيه سائر الأعمال الصالحة ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام ) ولذا يقول ابن حجر رحمه الله في قول عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم التسع ) قال ابن حجر رحمه الله في الفتح معلقا على قولها قال " أراد النبي صلى الله عليه وسلم ألا يُفرض صيام هذه التسع على أمته " وإلا لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامها ، لأن هناك بازغة بزغت تقول : إن صيام هذه التسع من الأمور المنكرة ، وهذا شيء مستغرب ، كيف يكون من الأمور المنكرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد صامها ؟! لو لم يصح هذا الحديث ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقول " لا تصوموا " لو نهينا الناس عن صيام هذه التسع ، إذاً ننهاهم عن الصدقة ، ننهاهم عن الذكر ، ننهاهم عن قراءة القرآن ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقولون لم يثبت عنه شيء من ذلك ، فخليق بالمسلم أن يعود للعلماء الربانيين الذين يربطون القول بالعمل ، والذين يفهمون قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم .

وكذلك انبه على أن مثل هذه الأيام اندثرت فيها سنة التكبير حقيقة ، مع أن الخطباء ينبهون على هذه - لا يكاد أن يسمع أحد – لا في سوق ولا في مجمع ولا في شارع ، بل حتى ولا في مسجد إلا ما رحم ربي ، لِمَ تندثر هذه السنة ؟! نحن المسلمين قد فرطنا في أمور كثيرة ، فهذه أيام فاضلة{ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ }الحج28 هي أيام العشر،{ وَالْفَجْرِ{1} وَلَيَالٍ عَشْرٍ } فيه أيام فاضلة ولها مزية عظيمة ، ومن ثم فإن على المسلم في يوم عرفة من بعد صلاة الفجر عليه استحبابا – ليس واجبا – عليه أن يكبر دبر كل صلاة ، بعد أن يفرغ من قول ( استغفر الله ثلاثا ، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) يكبر ما شاء الله له أن يكبر ، ثم بعد ذلك يعود إلى أذكار الصلاة ، وهكذا إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق ، يعني بعد صلاة العصر في اليوم الثالث عشر يكبر ، إذا غربت الشمس وجاءت صلاة المغرب انتهى التكبير ، هذا تكبير مُقيَّد ، كان جمهور الصحابة والسلف رضي الله عنهم يحرصون عليه حرصا عظيما .

وكذلك انبه على أن المسلم ينبغي له أن يصوم ما تبقى له من أيام هذه العشر ويحرص عليها ، لم يبق إلا يومان -  يوم السبت ويوم الأحد – ويوم الأحد معلوم فضله ، وهو اليوم التاسع (يوم عرفة) ، وقد أقسم الله سبحانه وتعالى به كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في معجم الطبراني بإسناد حسن  { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }البروج3،  المشهود : يوم عرفة ، فله فضل وله مزية ، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كما عند مسلم ( أنه يكفر سنتين ) وهذا اليوم وهو يوم عرفة أنزل الله سبحانه وتعالى فيه آية يتمنى اليهود أنها نزلت عليهم حتى يتخذوا يومها عيدا  { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} المائدة3 ، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة في يوم عرفة .

ومن فضائل هذا اليوم : أن المسلم يحرص فيه على الدعاء ، وهذا يستوي فيه الحاج وغير الحاج ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " ) احرص على هذا الذكر في يوم عرفة ، قل كثيرا وردد تردادا مكثارا مدرارا " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير " قل هذا الدعاء وأكثر منه في يوم عرفة .

ثم إن المسلم واجب عليه أن يجتنب مساخط وغضب ومقت الله عز وجل في سائر أحواله ، في حديث أبي ذر ( اتق الله حيثما كنت ) كما عند الترمذي ، لكن في يوم عرفة من أوجب ما يكون أن تتقي مساخط الله ، يقول رسولك الكريم صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد ( يوم عرفة مَنْ ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ) من ملك هذه الجوارح عن معاصي الله غفر الله له .

ثم لتعلموا – عباد الله – أن اليوم الذي يتلو التاسع هو يوم النحر ، وهو أفضل الأيام عند الله كما ثبت بذلك الحديث في السنن ( أفضل الأيام عند الله يوم النحر ) فهذا اليوم يُتقرب فيه إلى الله سبحانه وتعالى بقرب كثيرة ، ومن أفضل القرب أن يحرص المسلم على أن يصلي صلاة عيد الأضحى ، والسنة في حق المسلم إن كان يريد أن يضحي أنه لا يأكل بعد الفجر شيئا ولا يشرب شيئا حتى يعود ويذبح أضحيته ويأكل منها ما تيسر ، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى  الله عليه وسلم في السنن ، وله في يوم العيد أن يتجمَّل وأن يلبس أحسن الثياب وأن يتنظف ، لكن من أراد أن يضحي لا يأخذ في يوم العيد أثناء التنظف لا يأخذ لا من شعره ولا من أظفاره ولا بشرته .

ثم اعلم - عبد الله - أن هناك أياما فاضلا تتلوا يوم النحر وهي أيام التشريق " اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر " هذه احرص على أن تذكر الله سبحانه وتعالى فيها كثيرا { وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى }البقرة203 ؟ " الأيام المعدودات " هي أيام التشريق ، بينما الأيام المعلومات { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ } الحج28 هي أيام العشر ، فاحرص على أن تذكر الله سبحانه وتعالى فيها بالتكبير وأن تجهر به ، وأن تتقي الله سبحانه وتعالى ، كل واشرب وأطعم نفسك وأطعم أهلك وتلذذ بما أباح الله لك ، مع ذكر الله دون أن تقع في مساخط الله ، رسولك الكريم صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم ( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ) - سبحان الله – ما أعظم هذا الدين ! الإنسان حريص على شهوة بطنه وعلى ملاذه وعلى شهوته ، فقدمها النبي صلى الله عليه وسلم ليبين أن هذا اليوم يوم يُمرح فيه ، يوم يُسعد فيه ( أيام أكل وشرب وذكر لله سبحانه وتعالى ) ولذا حرَّم الإسلام أن يصام في هذه الأيام الثلاثة إلا لمن لم يجد الهدي من متمتع أو قارن ولم يجد الهدي فله أن يصوم هذه الأيام الثلاثة ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم سائر الأعمال .

الخاتمة :......................................

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com