خُطبة ( مسائل في الحج 1 )
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
أما بعد : فيا عباد الله /
بمناسبة قُرِب موسم الحج ، أعرض على أسماعكم في هذه الجمعة والتي تليها - بإذن الله تعالى – أعرض عليكم ما يتعلق بهذه الفريضة على صور مسائل مختصرة :
من مسائل الحج :
أن من لطف الله سبحانه وتعالى أنه لم يُوجب الحج علينا إلا مرة واحدة في العمر ، يدل على ذلك إطلاق الآية – لأن المطلق لا يقتضي التكرار – قال تعالى { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }آل عمران97 ، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم ( لما خطب بالصحابة قال : إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا ، فقالوا يا رسول الله : أكل عام ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ) ومن ثَمَّ فإن من قضى فرضه فإنه لا يلزمه أن يحج مرة أخرى ، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة لم يحج إلا حجة واحدة في أواخر عمره ، مما يدل على يُسر هذه الشريعة فيما يتعلق بهذه الفريضة ، ومن ثَمَّ فإن ما يفعله البعض ممن قد أدى فريضة الحج مسبقا ، ما يفعله البعض من التدليس ومن [ اللف والدوران ] _ إن صح التعبير _ على نُقط التفتيش من لُبس الثياب المعتادة حتى يتجاوز الميقات ثم يُحْرِم بعد ذلك ، أو أنه يتخذ وسيلة من وسائل التهريب لكي يُوصَّل إلى المشاعر ، فإن هذا كله مما يُحرِّمه الله سبحانه وتعالى ، النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين ( الحج المبرور ) والمبرور: هو الذي لم يخالطه إثم ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) فهذه الشعائر وهذا الدين لا يرضخ لعواطف الناس،بعض من الناس يقول: أريد أن أحج أكثر من مرة ، نقول : حُج أكثر من مرة ولكن بالضوابط الشرعية ، فكيف يكون حجك مبرورا وقد ابتدأت هذا الحج بإثم ؟! وبعض من الناس يتجاوز الميقات من غير إحرام ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما بيَّن المواقيت قال ( هُن لهن ولمن أتى عليهن ممن أراد الحج والعمرة ) فالواجب على المسلم أن يسير حيث سارت النصوص ، وأن يقف حيث وقفت ، ثم إن الإنسان لا يُعدم خيرا ، تصوَّر لو أن الإنسان مُنع من أداء الحج مرة أخرى ، هو يُحب أن يذهب ويُحب أن ينال الأخر وأن يشارك إخوانه في مثل ذلك الزمان والمكان الفاضلين ، ولكن إذا حالت دونه الحوائل فإن أجره كامل وهو بين أهله ، في بلده ، دون أن يناله عناءٌ أو تعب ، ولكنه التدليس من قِبل الشيطان والتدليس على البعض ، حتى ممن يتسم بسما الخير قد أوقعهم في ذلك الأمر ، النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين في غزوة تبوك ، وقد وقعت في شدة الحر ، حتى إن بعض الصحابة الأجلاء قد تخلَّفوا ، لأن الثمار قد طابت ، وهناك شدة حر ، ومع ذلك ماذا قال عليه الصلاة والسلام لمن سار معه ؟ قال : ( إن بالمدينة لرجالا ما سِرتم مسيراً ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ) وفي رواية ( إلا شاركوكم الأجر حبسهم العذر ) فالواجب على المسلم أن يتنبه لهذا الأمر .
من مسائل الحج :
أن يحرص المسلم إذا حج أن يأتي بهذا الحج على وجهه المشروع ، حتى ينال تلك الفضائل التي بينها الشرع ، من بينها قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( مَنْ حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) .
من مسائل الحج :
أن من توفرت فيه الشروط فلا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يتأخر وأن يتوانى عن أداء هذه الفريضة ، لأن الإنسان لايدري ماذا يعرض له ، النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة قال ( تعجلوا بالحج فإن أحدكم لا يدري ماذا يعرض له ) قد يعرض لك عارض في المستقبل يمنعكم من أن تحج ، من مرض أو من قِلة نفقة أو من موت .
من مسائل الحج :
لو أن الإنسان مات وقد لزمته فريضة الحج ماذا يُصنع في حاله ؟ يُخرج من تركته ، لأنه دَيّنٌ لله ، كما أن الديون التي على الميت للمخلوقين تؤدى ، فكذلك حقوق الله سبحانه وتعالى إذا كانت في ذمة ذلك الميت فإنها تؤدى ، النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح البخاري ( اقضوا ، فالله أحق بالوفاء ) .
من مسائل الحج :
أن الزوج لا يلزمه أن يحج بامرأته ، وكذلك الأب ، وكذلك الأخ ، وكذلك القريب المَحْرم ، لا يلزمه أن يحج بها ، لكن من حُسن المعاشرة من قِبل الزوج ومن حسن الشفقة والرحمة من قبل الأب أو الأخ ، ينبغي له أن يحرص على ذلك ، لكنه لو لم يأت بذلك فإنه لا حرج عليه ، قال تعالى { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }الأنعام164.
من مسائل الحج :
أن المرأة إن لم تجد محرما ، أو وجدت المحرم ولم يسرْ معها ، لم يذهب معها ولم يطاوعها في الذهاب فإن الحج يسقط عنها حتى يتيسر لها محرم ، ولا يجوز لها أن تحج من غير محرم ، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم واضح صريح ، لا يقل أحد إن كانت في رفقة مأمونة أو كانت مع نساء مأمونات أو ما شابه ذلك ، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم واضح وصريح ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم ) وعمَّم السفر ، في سفر محرم ، في سفر واجب ، في سفر مباح ، في سفر مستحب ، امرأة صغيرة ، كبيرة ، شابة ، جميلة ، قبيحة ، هرمة ، الحديث عام ولا يجوز أن يقيد بحال من الأحوال .
من مسائل الحج :
أن المسلم إذا رغب أن يحج فأتى الميقات السنة له أن ( يغتسل ) لفعله عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي ، ويؤيده ما عند مسلم من أمره عليه الصلاة والسلام لأسماء بنت عُميس رضي الله عنها .
وكذلك ( يتطيَّب ) ولكن يتطيب في بدنه خاصة ، لفعله عليه الصلاة والسلام من قِبل عائشة رضي الله عنهما كما في الصحيحين ، فقد طيبته رضي الله عنها ، يتطيب في بدنه ، أما في لباس الإحرام فلا يجوز لا تعطيرها ولا تبخيرها لقوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( ولا تلبسوا ثوبا مسه وَرْسٌ أو زعفران ) فلا يجوز له أن يتطيب في لباس الإحرام .
ومن مندوبات الإحرام : أن يُحرم في إزار ورداء أبيضين ونعلين ، لو أحرم في أي إزار أسود، أخضر ، أزرق ، فلا بأس بذلك ، لكن السنة أن يكون محرما في إزار ورداء أبيضين ، وفي نعلين .
وأما المرأة فلا يتقيد إحرامها لا بلون أبيض كما يفعله البعض ، ولا بأخضر ولا بأي لون ، بل تُحرم في ثيابها المعتادة من غير أن تكون هناك زينة .
ومن المندوبات : أن يتنظف من الشعور والأظافر إن كانت طويلة ، ليس تنظيفها ولا إزالتها على سبيل الاستحباب عموما ( لا ) لكن متى ما كانت طويلة فإنها تزال ، إما إذا لم تكن فإنها تترك على حالها .
فإذا وافق ما فعله من مندوبات إذا وافق وقت الإحرام وقت صلاة فالسنة له أن يؤخر الإحرام والتلبية إلى ما بعد الصلاة ، إما إذا لم توجد صلاة بعد الإحرام فإنه على الصحيح لا يسن له أن يصلي ركعتين ، فليس هناك دليل في الشرع أن هناك ركعتين تخصان الإحرام، فإن لم يكن هناك وقت للصلاة فإنه إذا ركب سيارته يلبي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما ركب راحلته ، والسنة في حقه أن يضيف مع التلبية ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر ) لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري ،وهي سنة مندثرة .
فإذا دخل في الإحرام فإن الواجب عليه أن يجتنب محظورات الإحرام : فيجتنب حلق الشعر ، لا يجوز له أن يحلق شعر رأسه ولا سائر الشعور الأخرى ، قياسا عليه ، لكن لو شاء أن يغسل شعره أو أن شعره حكه فحكه ، أو تساقط منه شعر ميت ، أو أراد أن يغير لباس الإحرام أكثر من مرة ، أو أن يخلعه ليغسله فلا بأس بذلك .
وكذلك يحرم عليه أن يقلم الأظافر ، قال تعالى { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ }الحج 29 ، وقد نقل بعض العلماء إجماع الأمة على أن تقليم الأظافر لا يجوز في حال الإحرام .
وكذلك لا يجوز له أن يغطي رأسه بمُلاصق ، أما إذا أراد أن يتظلل بشمسية أو أن يجلس في خيمة ، فقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ضُربت له القبة في نمرة ) وقد ظلل عليه الصلاة والسلام من قِبل بلال بثوب ، لكن من غير أن يلاصق هذا الثوب رأسه الشريف عليه الصلاة والسلام .
وكذلك يحرم على المحرم أن يطيب بدنه ولباس الإحرام ، إذا دخل في النسك ، لا في البدن ولا في لباس الإحرام ، لقول النبي صلى الله عليه فيمن وقصته دابته كما في الصحيحين قال ( ولا تحنطوه ) يعني لا تطيبوه ، وهذا يشمل البدن ويشمل لباس الإحرام .
وكذلك يحرم عليه أن يلبس ما يسميه بعض العلماء [ المخيط ] والمقصود من المخيط هو ما خيط على قياس عضو ، مثل الطاقية ، مثل الشماغ ، مثل القُبَّعة ، مثل السراويل ، مثل الفانيلة ، هذه خِيطت على قياس عضو ، أو ما خيط على قياس بدن ، مثل الثوب ، مثل القميص ، مثل البرانس وهي عبارة عن أقمصة ولها ملاصق بالرأس يغطي الرأس ، هذه تسمى البرانس ،فهذه لا يجوز للمحرم أن يلبسها ، وليس المعنى أن ما في خيوط يكون محرما ( كلا ) لو لبس ساعة فيها سير مخروز أو نعال مخروزة بخيوط فلا بأس بذلك ، المقصود من لبس المخيط ما خيط على قياس عضو أو ما خيط على قياس البدن ، هذا فيما يتعلق بالرجل ، أما بالنسبة للمرأة فيما يتعلق بلباسها في الإحرام فلتلبس ما شاءت مطلقا ، وإنما يحرم عليها أمران ( النقاب ) ومن باب أولى البرقع و( القفاز ) لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كما في صحيح البخاري ، فلها إذاً أن تلبس الجوارب ، أما بالنسبة للرجل فلا يجوز له أن يلبس الخفين ولا الجوارب ولا الشُرَّاب إلا إذا لم يجد نعلين ، فإذا لم يجد نعلين فالشرع قد رخص له أن يلبس خفين .
ومما يحرم على المحرم _ وأنا أسردها من باب الاختصار حتى تعلق في الأذهان – يحرم عليه أن يعقد النكاح ، وأن يخطب خطبة نكاح ، وكذلك يحرم عليه أن يجامع زوجته إذا كان محرما ، فإن وقع الجماع قبل التحلل الأول – قبل رمي جمرة العقبة – فإن حجه فسد ويأثم ويجب عليه المضي وعليه القضاء وعليه بدنة وهي فدية محظور الجماع قبل التحلل الأول ، أما إذا كان بعد التحلل الأول فإنه يفسد إحرامه فيذهب إلى الحل فيحرم منه ثم يكمل حجه وحجه صحيح وعليه فدية محظور ، وكذلك من باشر زوجته – لم يجامعها – وإنما باشرها ، ضمها ، قبَّلها بشهوة ، حصل مني أو مذي أو لم يحصلا ، متى ما باشر زوجته بقبلة أو ضمة بشهوة ، فإنه قد فعل فعلا محرما ، ومن ثمَّ فإنه يلزمه في مثل هذه الحالة أن يتوب إلى الله عز وجل ، وحجه صحيح وعليه فدية محظور .
ومن محظورات الإحرام : قتل الصيد المأكول البري أصالة ، مثل : غزالة ، أو ضب أو جربوع ، أو أرنب ، فهذه إذا قتلها المحرم ، لا نقول صادها ، نقول قتلها ، لأنه لا يحل له أن يأكلها لأنها بمثابة الميتة إذا قتلها وهو محرم ، فإن فيها جزاءً مفصَّلا ، لا يستطيع هذا المقام أن يستوعب وأن يتحمل سردها ، لكن لها جزاء معين مما يشابها من بهيمة الأنعام ، من بقر أو غنم أو إبل .
الخطبة الثانية
أما بعد : فيا عباد الله /
إذا قيل " فدية محظور " فإنها تختلف عن الدم ، فالدم إذا ترك المسلم واجبا من واجبات الحج ، ومن ثمَّ فإن الواجب على المسلم إذا أراد أن يحج ، الواجب عليه أن يعرف واجبات وأركان الحج ، فمتى ما ترك واجبا من واجبات الحج فعليه دم ، إما أن يذبح شاة تجزئ في الأضاحي والشروط المعتبرة في الأضاحي معتبرة في الدم هنا ، وإما أن يذبح سُبع بدنة أو سُبع بقرة ، أما إذا قيل " فدية محظور " فهي المحظورات السابقة التي ذُكرت ، فإن عليه فدية محظور ، وهي على التخيير ، لكن الأفضل فيها أمر وهو الدم ، أن يذبح شاة أو سُبع بدنة أو سبع بقرة ، هذا هو الأفضل ، لكن هو مُخيَّر ، بعض الناس ما عنده استطاعة أن يذبح شاة أو سُبع بدنة أو سبع بقرة ، إذاً هو مُخير بين هذا وبين أن يصوم ثلاثة أيام ولو لم تكن متتابعة ، ولا يلزم أن تكون في مكة ، وإنما إذا رجع إلى أهله فله أن يصوم هذه الثلاثة الأيام ، أو أن يطعم ستة مساكين من مساكين الحرم لكل مسكين نصف صاع .
ثم في نهاية هذا الخطبة أُحب أن أوضح أمرا ، وهو : أن المسلم متى ما دخل في النسك ، سواء كان حجا أو عمرة ، لا يجوز له أن يخرج منه ، قال تعالى { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } البقرة196 ، فلا يجوز له أن يخرج من هذا النسك ، ومن ثم فإن هناك أناسا قد خرجوا من أنساكهم " تزوجوا " زواجهم لا يصح " جامعوا زوجاتهم " يفسد نسكهم ، هناك أحكام مترتبة على ترك إكمال الحج والعمرة ، فلا يجوز لك أن تخرج من الحج أو العمرة إلا بواحد من ثلاثة أشياء :
إما أن تكمل النسك ، بمعنى أن تفرغ منه ، وهنا قد برئت ذمتك .
وإما أن تُحْصَر ، كأن يمنعك مانع من أن تكمل الحج ، من مرض شديد لا تستطيع ، من ذهاب نفقة ، أو ما شابه ذلك من هذه الأعذار والأنواع من أنواع الحصر .
وأما أن تستثني فتمنع ، بمعنى أنك تقول حال الإحرام ( إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ) وهنا لو وقع ما يمنع من إكمال الحج فإنك تخلع ثياب الإحرام (الإزار والرداء) ثم تلبس ثيابك المعتادة ولا شيء عليك ، بينما المحصر بعض العلماء أوجب عليه دما، وبعضهم لم يوجب عليه ، لكن متى ما حصل الاستثناء فوقع ما يمنعه فإنه لا يلزم بإكمال نسكه ولا يلزمه دم .
ولكن هل للإنسان أن يستثني مطلقا ، أم إذا خشي أن يمنع بمانع ؟
الصواب / أنه إذا خشي أن يمنع بمانع يستثني ، إما إذا لم يخش شيئا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ( إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ) وكثير من الصحابة لم يقولوا هذا ، لكن إذا خشي الإنسان أن يمنع بمانع هنا يقول ( إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ) كأن تكون المرأة على وشك ولادة وهي حاجَّة ، أو تكون على وشك حيض وهي لا تدري ماذا يكون حالها ، قد يستمر دمها فترة طويلة ، قد لا ينتظرها رفقتها ، فهذه تستثني ، فتقول هذه المقولة .
الخاتمة : ............................................... |