: محاضرات و كلمات
طباعة

  : محاضرات و كلمات
كلمة عن استقبال شهر رمضان عام 1429هـ
 

 

 

 


دروس رمضان 1429هـ

الدرس الأول

( كلمة عن استقبال شهر رمضان )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد :

أيها الأحبة في الله - هنيئا لنا ولكم قدوم هذا الشهر المبارك ، شهرٌ عظيم ، شهرٌ كريم ، كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر يقول أبو هريرة رضي الله عنه كما في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي يقول ( لما دخل شهر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الشهر المبارك قد حضركم ) ثم فصَّل وبيَّن عليه الصلاة والسلام مزايا وفضائل هذا الشهر فماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال ( فيه تفتح أبواب الجنة وفيه تغلق أبواب النيران وفيه تصفَّد الشياطين ) وجاء عند الترمذي قوله عليه الصلاة والسلام ( إذا كانت أول ليلة من رمضان ) يعني من هذه الليلة ( إذا كانت أول ليلة من رمضان صفِّدت الشياطين ومردة الجن وفتِّحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وأُغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ونادى منادٍ ) في هذه الليلة نادى منادٍ من قِبل الله سبحانه وتعالى ، ما ماهية هذا النداء ؟ وما فحوى هذا النداء ؟ ( ونادى منادٍ : يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) لو لاحظنا ولمحنا هذه الأحاديث وغيرها نجد أن هناك كَرَما من الله سبحانه وتعالى إذ ذلَّل لنا الطرق والسبل التي بها نعمل العمل الصالح في هذا الشهر المبارك ، ليس لك عذر ، ليست لك حجة ( تصفَّد الشياطين ومردة الجن ) إذاً الطريق مهيأ لك ، ثم ماذا ؟ ( تفتح أبواب الجنة فلا يغلق منها باب وتغلق أبواب النيران فلم يفتح بها باب ) وجاء في رواية أخرى في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام ( تفتح أبواب السماء ) وفي رواية ( تفتح أبواب الرحمة ) تصور لو أصابتك رحمة من الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر المبارك ألست محتاجا إلى مغفرة الله ؟ ألست محتاجا إلى عافية من الله ؟  ألست محتاجا إلى رزق من الله ؟ أنت يا أيها المغموم – يا أيها المحزون – يا أيها الفقير – يا أيها المضطر – يا أيها المذنب – يا أيها العاصي ، كل هذا يندرج تحت كلمة ( وتفتح أبواب الرحمة ) لم يقال [ باب ] ( لا ) وإنما قال( أبواب الرحمة ) ثم ما الذي بعدها ؟ قال ( يا باغي الخير أقبل ) ليس لك عذر ( ويا باغي الشر أقصر ) إذا فعلتَ هذا ما النتائج ؟ ما الثمار ؟ قال ( ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) في كل ليلة لله عز وجل عتقاء من النار ، وإني لأعجب عجبا كبيرا لأولئك القوم الذين صاموا بالنهار وأمْسكوا عن الملذات والمآكل والمشارب - نحسبهم والله حسيبهم – أنهم حبسوا أنفسهم ابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى ولكن بسبب تدليس وتضليل الشيطان إذا غَرَبت الشمس وجاء الليل الذي هو محل العتق من النيران ( ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) ( إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد ) في مثل هذا الوقت وبعد غروب الشمس وبعد الفراغ من الصلاة يتوجه لمشاهدة ما حرَّم الله سبحانه وتعالى إذ عرضت تلك القنوات الفضائية التي وللأسف تنتسب إلى الإسلام وأهله ، إذ عرضت أقبح وأخس ما يدمِّر الأخلاق ، ومتى ؟ في هذا الشهر ، يستعدون العدة كلها ويبذلون الأموال وينفقونها في عرض تلك الأفلام وتلك المسلسلات التي تصرف العبد عن ربه – سبحان الله – أنت صائم ، أنت تالي لكتاب الله عز وجل ، أنت مستغفر لله في نهارك فكيف ترضى أن تدنس وأن تلوث صومك بالنظر إلى ما حرَّم الله ! والعجب الأعظم أن تُشاهد تلك المسلسلات التي يُقدح فيها بشرع الله عز وجل أو يُذم فيها أفاضل القوم ، التي تنبئ عن طيش وعن سفه ، والله إن العاقل ليصون نفسه وعقله وعينه عن مثل هذه التُّرَهات وهذه الخزعبلات ، ومن الغد وسترون ماذا يعرض في الفضائيات ، فأرِ الله من نفسك خيرا مع بداية هذا الشهر ، والله ما تدري هل تبقى إلى نهاية هذا الشهر أو تختلس روحك قبل انقضاء هذا الشهر ؟ أقلوبنا معرضة ؟ أأعيننا غير مبصرة ؟ في العام الماضي بل يمكن قبل أشهر بل يمكن قبل أيام كان هناك مَنْ هو أكيل لك ، شريب لك ، مجالس لك ، مسامرٌ لك ، هنا في هذا الجامع مَنْ صلى معنا في العام الماضي ونحن نعرفهم ويمكن صلى أناس في مساجد صليتَ فيها ، أين هم الآن ؟ تحت أطباق الثرى ، أتأمن ؟ أتغتر بالصحة ؟ أتغتر بالعافية ؟ أتغتر بالمال ؟ يمكن أن تخرج في ذات يوم من الأيام وتأتي سيارة ثم تصدمك ثم أين فلان ؟ مات ، انتهت هذه الحياة ، أنت أنفاس { فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } مريم84 ، نعد لهم الأنفاس ، الليالي ، الشهور ، السنين { فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } مريم84 ، والله ما أحد يدري هل يخرج من هذا المكان أو لا يخرج ؟ فلماذا لا نعود إلى الله سبحانه وتعالى ؟ قد يكون هناك مُقصِّر في الشهور الماضية فرمضان فرصة ، ولذلك السلف رحمهم الله كانوا يحرصون تمام الحرص على هذا الشهر لأن له فضلا ولأن له مزية ( يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم هذا الشهر ، ويدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم ) إذاً أعمارهم ، أنفاسهم ، سنتهم كلها متعقلة بماذا ؟ برمضان ، لأنه محل المغفرة ، محل التوبة ، محل الهداية ، محل قراءة القرآن ، ولذلك لما ذكر سبحانه وتعالى آيات الصيام في سورة البقرة ذكر في ثناياها ما يدل على فضل قراءة القرآن في هذا الشهر ، جميلٌ وحَسَنٌ أن نرى الأفواج الكثيرة في الأيام الأُول في صلاة التروايح وفي صلاة الفجر وبعد صلاة العصر يتلون كلام الله سبحانه وتعالى ولكن هذه الهمة سرعان ما تضعف بعد أيام ، لماذا لا يمتد ذلك الخير إلى أن ينتهي الشهر ؟ بل ويستمر بعد شهر رمضان ، الله سبحانه وتعالى لماذا ذكر آيات الصيام ماذا قال ؟ { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} البقرة185، ذَكَر أن القرآن فيه هدى ، وكرَّر الهداية ، هذا الشهر محل الدعاء ، محل الإنابة ، محل التضرع إلى الله سبحانه وتعالى ، ولذلك ما ذكر جل وعلا آيات الصيام ماذا ضمن في ثناياها ؟ { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } ما تمام الآية ؟ { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي} ماذا يحصل لهم ؟ { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } البقرة186.

كان رسولنا صلى الله عليه وسلم كما أخبر ابن عباس رضي الله عنهما كما في الصحيحين ( كان أجْودَ الناس ) في كل وقت ، وفي كل زمن ، لكن إذا دخل هذا الشهر ، يمكن أن يكون الإنسان على خير قبل دخول هذا الشهر ، يمكن أن يكون من التالين لكلام الله سبحانه وتعالى ، يمكن أن يكون من المصلين لله سبحانه وتعالى ، يمكن أن يكون من الذاكرين الله سبحانه وتعالى قبل دخول هذا الشهر ، لكن لا ينبغي والله أن يكون يوم صومك ويوم فطر سواء أبدا في طاعة الله سبحانه وتعالى ، يقول رضي الله عنهما ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجْودَ الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ) ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام ( ليس الصيام من الطعام والشراب ) بعض الناس يظن أن الصوم هو الامتناع عن الطعام والشراب ( كلا ) ليس هذا هو المقصود وليس هذا هو المغزى ، قال عليه الصلاة والسلام ( ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصوم من الغلو والرفث ) ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري ( مَنْ لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )

فعودة صادقة إلى الله سبحانه وتعالى ، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يمنَّ علينا بالهداية وبالتوبة النصوح في هذا الشهر المبارك ، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وسائر الأعمال وأن يجعلنا من عتقائه من النار إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com