دروس رمضان عام ( 1424هـ )
الدرس الأول
فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أما بعد :
أحبتي في الله ، أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الشهر شهرا مباركا على الجميع وأن يجعله شهرا حافلا بالعبادة من صلاة وقيام وتلاوة للقرآن وأن يصلح فيه فساد قلوبنا وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا وأن يجعله شهر صلاح لنفوسنا ولنسائنا ولشبابنا ولكهولتنا ولشيبتنا ونسأله جل وعلا أن يجعله شهر عز ونصر للإسلام والمسلمين ونسأله جل وعلا أن يجعله شهر تلاحم وتآلف بين قلوب ولاة أمور المسلمين وبين رعاياهم فيما يخدم مصلحة الإسلام والمسلمين ، اللهم آمين .
أيها الأحبة في الله – شهر رمضان شهر غني عن التعريف طالما تحدث عنه الخطباء ، وطالما بين فضائله العلماء ، إذا تأملت كتاب الله جل وعلا وجدت فيه ما يبرز فضائل هذا الشهر ، وإذا تأملت ووقفت على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وجدت فيه روعة تلك الفضائل والمناقب والمزايا التي امتاز بها هذا الشهر ، وإذا طالعت كتب الأدباء من الشعراء وغيرهم وجدت أن لكتبهم نصيبا من إبراز فضائل هذا الشهر الكريم يقول الله جل وعلا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة183 ، أتى هذا الشهر – عباد الله – والأمة الإسلامية في أسوء ظروفها قد تكالب عليها الأعداء وتتابعت وتوالت عليها البلايا والمصائب وليس هذا الأمر هو الذي وقع بالمسلمين فحسب بل إن البلية كل البلية والرزية كل الرزية أن ترى أفراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعرضت عن دينها ، النبي صلى الله عليه وسلم قال ( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) هذا هو المهاجر حقيقة ، لن نقف صامدين أمام الأعداء ولن نخرج الأعداء من ديار المسلمين إلا إذا أصلحنا نفوسنا ، فالمهاجر حقيقة هو من هجر ما نهى الله جل وعلا ، فإذا لم تصلح النفوس ولم تستقم على منهج الله عز وجل تتابعت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم البلايا والمصائب ، وما أصاب غيرنا سيصيبنا إن لم نتدارك أنفسنا ، هذا الشهر - أيها الأحبة في الله – فرصة لإعادة الحسابات ولمراجعة النفوس ، يقول ربكم جل وعلا مبينا فضيلة هذا الصوم ، وفضيلة هذا الشهر { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ } نداء منه جل وعلا لكم أيها المؤمنون لتكملوا إيمانكم ، لتتموا إيمانكم ، يقول ابن مسعود رضي الله عنه ( إذا سمعت الله جل وعلا يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ } فارع لها سمعك ) ارع لها سمعك فأنت المخاطب ، أنت المُحدث (فارع لها سمعك فإما أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } لماذا ؟ { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة183 ، هذا هو الهدف وهذه هي الغاية وهذا هو المقصود من الصيام أن تتقي الله جل وعلا ، ولذا عبر في آيات الصيام بأن هذا الشهر إنما هو أيام معدودة قال تعالى {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } فهو يمر سريعا ، ما أشبه الليلة بالبارحة – يا عباد الله – كنا بالأمس القريب جدا نودع هذا الشهر وها نحن في أول ليلة من ليالي هذا الشهر، فأين النفوس التي تريد طاعة الله جل وعلا ؟ أين النفوس التي أقبلت ؟ يقول عليه الصلاة والسلام ( إذا كانت أول ليلة من رمضان ) من هذه الليلة ( صفدت الشياطين ومردة الجن وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وأغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب وقيل يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) ما فائدة صيام البعض حينما يمسك عن الأكل وعن الشرب وإذا غربت الشمس إذا به يستنفذ أوقاته أمام الشاشات التي تبث ما حرم الله جل وعلا ، هذا صيام مجروح ، صيام ليس بنافع لا ينفع صاحبه ، يقول عليه الصلاة والسلام كما في المسند ( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ) لا يستفيد من صيامه إلا الجوع والعطش ، فيا أخي تدارك نفسك قبل فوات الأوان ، قبل { أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ } الزمر56 ، بالأمس القريب بعد صلاة العشاء لا تضمن أن تعيش أياما مديدة وسنوات عديدة لا تأمن ربما لا تخرج من هذا المسجد - بالأمس بعد صلاة العشاء رجل يسير بسيارته ومعه عائلته وانحرف به إطار السيارة فصعد على رصيف الطريق فاصطدمت سيارته بعمود الكهرباء فنقل على أثرها إلى المستشفى ، الله أعلم هل بقي حيا أم مات ، في لحظة واحدة ، فتدارك نفسك قبل { أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ{56} أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{57} أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ{58} بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ{59} جاءت الآيات والعبر والمواعظ ، الخطبة الماضية تحدث الخطباء عن فضائل هذا الشهر وعما فيه من المزايا والمناقب { أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ{56} أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{57} أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ{58} بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ{59} وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ{60} وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } كم ستظل في هذه الدنيا ، نوح عليه الصلاة والسلام ظل في دعوته لقومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، قيل له ( كيف قضيت هذا العمر ؟ قال : كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر ) هذه هي الدنيا ، كم عمرك الآن ؟ احسب لكأنها قبل دقيقة ، ليست بالأمس بل كأنها دقيقة واحدة ، هكذا :
أحلام نوم أو كظل زائل |
|
إن اللبيب بمثلها لايُخدعُ |
هذه هي الدنيا ، لكن يا سعادة ويا فرح من نزلت عليه الملائكة تبشره بروح وريحان ورب راض غير غضبان { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } يستقبلونهم بالبشارة وبالترحيب أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } لا يصيبكم هم ولا غم ولا ضيق نحن معكم في الدنيا نحيط بكم ونحفظكم ، ونحن معكم حتى تدخلوا الجنة { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ{31} نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } هذه هي السعادة الحقيقية ، يقول أبو العتاهية :
بين عيني كل حي علم الموت يلوح |
|
نُحْ على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح |
لتموتن ولو عُمِّرت ما عمر نوح
لابد من الموت ، نحن نفر من الموت نفر من سماعه ولكن هيهات هيهات {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } الجمعة8 { كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ {26} وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } أين الطبيب ؟
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته |
|
حار الطيب وخانته العقاقير |
{ كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ{26} وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ{27} وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ } ظن هذا المحتضر أنه سيذهب من هذه الدنيا { وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ{28} وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ{29} إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوم } بلغت الروح الحلقوم { وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ{84} وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ{85} فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ{86} تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } نزّل نفسك من أي الأصناف ستكون أنت ؟ هل من المقربين ؟ هل من أصحاب اليمين ؟ هل من أصحاب الشمال ؟ { فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ{88} فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ{89} وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ{90} فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ{91} وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ{92} فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ{93} وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ{94} إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ{95} فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ }
نسأل الله جل وعلا أن يهدي القلوب ، فيا أحبتي في الله لا يفوت هذا الشهر إلا وقد اغتنمتموه ، إن الله جل وعلا نفحات في مواسم متعددة فتهيئوا لنفحات ربكم ، لله عز وجل عتقاء من النار وذلك كل ليلة ، يقول أنس رضي الله عنه لما أتى الشهر قال عليه الصلاة والسلام ( إن هذا الشهر قد حضركم فيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم ) وقال عليه الصلاة والسلام ( إن لله عند كل فطر عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) أسأل الله عز وجل أن يعتق رقبتي ورقابكم من النار ، هذه موعظة وسريعة جدا بمناسبة حلول هذا الشهر المبارك ، نسأل الله عز وجل أن ينفعني بهذه الموعظة وينفعكم بها اللهم آمين .
|