: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
استقبال شهر رمضان المبارك
 

 

 

 


 (  استقبال شهر رمضان المبارك )

فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

الخطبة الأولى

أما بعد : فيا عباد الله /

ما أشبه اليوم بالأمس وما أشبه الليلة بالبارحة ، كأننا ونحن في هذا المقام في العام العشرين وإن شئت فقل في العام الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين  ، وها نحن نحط أقدامنا صعوداً  على هذا المنبر في العام التاسع والعشرين بعد الألف والأربعمائة للهجرة ، أليست هذه الأيام التي تتسابق ، وتلك الأزمان التي تتسارع أليست عبرة وعظة وذكرى وتذكرة !؟ صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال كما عند الترمذي ( يتقارب الزمان ) بمعنى أن الزمان يسبق بعضه بعضا ( يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ويكون الشهر كالجمعة ) يعني كالأسبوع ( وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كالضرمة بالنار ) الضرمة / نبت سريع الاشتعال متى ما أشعلت فيه النار اشتعل بسرعة ، هكذا أيامنا ، أنت ابنُ مَنْ ؟ ابن العشرين ؟ والله ما هي إلا لحظات وما هي إلا أنفاس وإذا بك ابن الثلاثين أو ابن الأربعين أو ابن الخمسين أو ابن الستين هذا إن بقيت إلى الستين ، ثم ماذا ؟ ثم تذهب هذه الأرواح – فسبحان الله الخلّاق العليم - أليست هناك عبرة ؟ أليست هناك عظة وذكرى لما يجري من تسابق الأيام وتسارع الأزمان ؟

أنفاس تخرج - أنفاس تُستنشق - سنة تجري - يوم يمضي – ساعة تنقضي إلى أن يأتي الإنسان الموت ثم حينها يدرك خطر ما فرَّط من الواجبات ويدرك مغبة ما ضيَّع من الفرائض من شرع الله ثم حينها يعلم الخاسر في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة يعلم مغبة ما ترك وما فرَّط وما أهمل – سبحان الله – كأننا خلقنا لهذا الدنيا ! كأننا ما عشنا إلا لهذه الدنيا ! إذا رأيت الناس ، وهذا شيء لا يذم عليه ابن آدم ولا يلام عليه إذا أراد أن يأكل مما أباح الله عز وجل ، نرى الناس في مثل هذه الأيام يتسابقون إلى المراكز الغذائية وإلى الأسواق الكبيرة لشراء حاجيات رمضان ، فهل فكر أحدنا ، بل يجب أن يفكر جميعنا هل هو - حقيقةً - مستعد لقدوم هذا الزائر الذي غاب عنا أحد عشر شهرا ؟ هذا الزائر الذي كان السلف رحمهم الله جعلوا حياتهم ، أنفاسهم ، أعمارهم كلها رمضان ( نعم ) يدعون الله عز وجل ستة أشهر ( نصف سنة )  أن يبلغهم هذا الشهر ، ويدعونه ستة أشهر ( نصف سنة )أن يتقبله منهم ، إذاً حياتهم كلها ، أعمارهم جميعها أُنفقت من أجل رمضان ، فلماذا لا يحرص الإنسان في مثل هذه الأيام أن يجدد التوبة مع الله وأن يغير حاله وأن يبدل من أوضاعه ؟ لأنك إذا عزمت النية على أن تغير حالك مع الله في مثل هذا الشهر فجاءك الموت قبل أن تدرك هذا الشهر فالله عز وجل أكرم من عبده والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

الواقع مرير ، ما مضى في السنوات الماضية يُنبئ عن خطر سيجثم على الناس في يوم من الأيام ، فهلا زالت تلك المنكرات ؟ هلا اضمحلت تلك الفواحش والجرائم ؟ أم أن هذا الشهر سيكون فيه إحياء لما حرَّم الله ؟ إنفاذ للأوقات فيما يسخط الله ويغضبه ؟ فيكون هناك تضييع للصلوات ولا سيما أننا في هذا الشهر سنكون في إجازة لشبابنا وبناتنا ، فأنت مسؤول أمام الله ، أنت مؤتمن ، يا أيها الأب ، يا أيها العم ، يا أيها الأخ الأكبر ، يا أيها الولي أنت مؤتمن على هؤلاء { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } التحريم6 ، لأن هذه والله ليست حياة ، والله ليست بحياة أن تُغمر ساعات النهار في النوم وأن تقضى ساعات الليل فيما حرَّم الله ، النبي عليه الصلاة والسلام ( صعد المنبر ذات يوم فأمَّن ، فاستغرب وتعجب الصحابة من تأمينه ، فسألوه ، فقال: أتاني جبريل فقال : يا محمد رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان فمات فلم يُغفر له فأبعده الله ، قل آمين ، فقلت: آمين ) ليس رمضان عادة نتلقاها ، نصوم كما يصوم آباؤنا أو نصوم كما يصوم أفراد مجتمعنا ( كلا ) قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا ) قال ( إيمانا واحتسابا ) ليست عادة وليست تقليدا ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) والبعض من الناس يظن أنه على خير وهو على شر يفعل ويؤدي بعض الصلوات ويدع البعض ، والبعض من الناس قد أمسك عن الملذات والمآكل والمشارب في النهار ثم إذا به بالليل يظن أن الليل منفصل عن النهار لأنه رأى وأدرك وسمع وقرأ أن تلك القنوات الفضائية وللأسف ممن تنتسب إلى بلدان إسلامية قد شمَّرت عن سواعد الجد والقوة وبكل نشاط وبذل للمال في عرض أحقر وأخبث وأخس ما يفتت الأخلاق بل وللأسف قد يُعرض على قنواتنا وعلى إعلامنا ذلك المسلسل الذي صدرت فيه عدة فتاوى في تحريمه والذي يُنبئ عن طيش مَنْ فعله أو استمع إليه ورآه ، تجرؤ على شرع الله ، استخفاف بمنهج الله ، إحطاط بمنزلة الفضلاء من عباد الله ، أهذا هو التقدم ؟ أهذا هو الرقي ؟ - سبحان الله – والله ليست الملامة على أولئك ولكن الملامة عليك أنت - عبد الله - حينما أمسكت عما حرَّم الله وصُمت ابتغاء وجه الله وإذا بك إذا غربت الشمس تهرع أنت وأبناؤك وبناتك لمشاهدة هذا المسلسل قال تعالى { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } كأننا لا نقرأ القرآن ، كأننا لسنا بمسلمين ، نسأل الله العافية ، تُقرأ هذه الآية عدة مرات ويسمعها الإنسان وتردد قبيل دخول شهر رمضان من الخطباء والدعاة وكأننا لا نفقه ، والله إنها لآية تجعل الإنسان خائفا قلقا { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } النساء140، هذه والله ليست أمارة التقدُّم والرقي والله إنها علامة السفل والخزي والعار ، وهكذا أوان انهيار المجتمعات إذا تجرأت على شرع الله { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً }الإسراء16 ، نريد إصلاح المجتمع ، ما هكذا يكون إصلاح المجتمع بإفشاء معايبه للبلدان الأخرى ، ما هكذا الإصلاح :

ما هكذا يا سعد تورد الإبل

***

أوردها سعد وسعد مُشْتَمِلٌ

نتقلب في نِعم الله ليل نهار ، صباح مساء ، أتظن أن هذه النعم ستبقى ؟ كلا والله { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً } الضرب يدل على قوة البقاء وعلى قوة الأثر ، من ضرب الدرهم إذا ضُربت عليه علامة لا يمكن أن تزال إلا بشق الأنفس { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً } طبِّق هذا على واقعنا ونخشى أن تحل بنا عقوبة الله في ختام الآية { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً } إذا لم يوجد الأمن لم توجد الراحة { الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } قريش4 ، لم يطعموا أنفسهم ولم يؤمِّنوا أنفسهم ، ونحن ندرك أننا في أرض عارية من مقومات الحياة إلا برحمة الله سبحانه وتعالى إذ أنبع لنا هذا الذهب الأسود ، في الإجازة لما قلَّت المياه على بعض البلدان ، ما هو الحال ؟ وما هو المآل ؟ والله لو جفت ينابيع هذا البترول لهلكنا إلا أن يشاء الله ، كانت آمنة والناس حولها يُتخطفون ، يُرعبون ، يفزعون ، ونحن آمنون { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا } { يُجْبَى } يعني يجلب ، وهذا يدل على السعة { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا } { كُلِّ } تدل على العموم { شَيْءٍ } تدل على عِظم وكثرة أنواع وأصناف هذه الثمرات ، من أنفسنا ؟( لا ) لا قدَّر الله لو جرى شيء من زوال هذه النعم لهلكنا ، لسنا كآبائنا وأجدادنا ممن اعتاد على شطف العيش ( كلا ) لو قيل لأحدنا هرول ثلاث دقائق لذهبت أنفاسه فكيف به أن يحمل أكياسا من الأطنان أو أكياسا من الكيلوات ؟! { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } القصص57 ، لا يعلمون عقوبة الله ، لا يعلمون مكر الله { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } الأعراف99 ، { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } العنكبوت67 ، كأننا لا نرى في القنوات الفضائية وما يعرض على الشاشات مما يجري حولنا من بلدان كانت آمنة مطمئنة ، كأننا لا ندرك هذا ، أو كأنه مشهد روتيني يومي ، أو كأنه مسلسل أو كأنه فيلم يُرى ثم ينسى ، كأننا ما رأينا تلك الجثث المتناثرة ولا تلك الدماء السائلة ولا تلك الأشلاء المتقطعة في العراق وفي فلسطين وفي شتى بقاع الأرض ، كأننا ما رأينا هذه الأشياء ، حالنا يدل على أننا ننتظر عقوبة الله لأننا في غفلة عما يجري ، مَرَّ بالناس عام وهو هذا العام ولم يمر على الناس مثله من قحط ، من جدب ، من غلاء في الأسعار ، من تغير في الأجواء ، ومع ذلك لا عظة ولا عبرة { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ }التوبة126

{ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً } مستقرون لا يحتاجون إلى  أن ينتقلوا من مكان إلى آخر ، هذه هي قمة الطمأنينة ، قد يكون الإنسان آمنا وليس عنده ما يُطَمْئِن حياته من أكل أو شرب فيحوجه ذلك إلى أن ينتقل من مكان إلى آخر ( لا ) مطمئنة وانظروا إلى هذا التعبير { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً }

{ رَغَداً } يدل على السعة ، وليس نوعا واحدا ، وليس من بلدة واحدة { مِّن كُلِّ مَكَانٍ } والله إنني حينما أدخل بعض المراكز التجارية التي اشتهرت في هذه الأيام والله حينما أدخلها وأرى تلك [ المُعَلَّبات ] من صنف واحد وقد تنوعت بلدانها وأرى تلك الثمار وأرى تلك المنظفات وأرى تلك المعروضات والله إن القلب ليخاف حينما نقارن ما بأيدينا وما بين أفعالنا { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً } نسأل الله العافية { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ } أشد ما يعانيه الإنسان هو الذوق ولذلك عبَّر عنه ، قال عليه الصلاة والسلام ( إن الله ليملي للظالم ) يمهل ولا يهمل ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ عليه الصلاة والسلام {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }هود102)  

{ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ } لم يقل [ أذاقها الجوع ] ( لا ) { فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ } قد تلبس بهم { فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }النحل112،  {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ }الزخرف76 – سبحان الله – يُحط بشرع الله ، يقدح بشرع الله ، هكذا العبد إذا انحرف عن منهج الله تخبط أصبح بمثابة البهيمة بل إن البهيمة أفضل منه لأنها تسبح الله سبحانه وتعالى .

فاتقوا الله – عباد الله – لنعد إلى الله ، والله إن الكل ومحدثكم أحوج ما يحتاج إليه مما ذكره ، والله إننا بحاجة ماسة إلى أن نعود إلى الله سبحانه وتعالى ، وأن نجدد التوبة لا سيما مع إقبالة وإطلالة هذا الشهر المبارك ، والله لا خير في صيام لا يوصلك إلى تقوى ، إن الله عز وجل لم يرد منا عنتا ومشقة وعذابا لما أمرنا بهذا ( لا ) بل لزيادة الإيمان ولذلك صدَّر الآية بالإيمان وبنداء أهل الإيمان لأن الصيام يزيد الإيمان ولأن من يُقدم على الصيام حق الإقدام هم أهل الإيمان قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } من أجل ؟ { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة183 ثم قال {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } والله لو كان يريد منا المشقة لما سمح للمريض وللمسافر أن يفطر ولذلك قال بعدها  { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أما أن يكون صومنا صوما عن الجوع والعطش كما قال عليه الصلاة والسلام ( رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ) فهذا خطأ والله يكفينا جراحات ، يكفينا ذنوب ، يكفينا إعراضٌ عن ذكر الله سبحانه وتعالى ، فرمضان فرصة لتجديد التوبة مع الله عز وجل ولتصحيح الواقع :

فأكرم به من زائر هو آت

***

جاء شهر الصيام بالبركات 

 

 

الخطبة الثانية

أما بعد :

كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يُهنئ أصحابه إذا قدِم هذا الشهر المبارك ، وما جاءت هذه التهنئة إلا لتدل دلالة واضحة على عظم منزلة هذا الشهر في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وفي نفوس أصحابه رضي الله عنهم ، جاء في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال للصحابة رضي الله عنهم ذات يوم : قد جاءكم شهر رمضان ) والله إن الإنسان حينما يتلو آية في سورة البقرة عن فضل هذا الشهر لا يسعه إلا أن يُقبل إقبالا كبيرا على الله وأن تؤثِر تلك الآية في نفسه وأن تزيد من إيمانه وأن تزيد من رغبته في الإقبال على العمل الصالح في رمضان ، كلمة ، آية فيها رحمة ، فيها أُنس ، فيها أمن ، فيها طمأنينة قال تعالى { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } يكفي في فضله أنه أنزل فيه القرآن ، ثم انظروا إلى ذكر الهداية في هذه الآية أكثر من مرة ، يدل على ماذا ؟ يدل على أن هذا الشهر هو شهر التوبة ، شهر الهداية ، ولذلك في السنن كما قال عليه الصلاة والسلام( وينادي منادٍ : يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر )

{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } البقرة185 ، فيقول عليه الصلاة والسلام للصحابة : قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك ) ولا تسأل عن بركة الله عز وجل إذا أودعها في أي زمان أو في أي مكان ( كتب الله عليكم صيامه ) إذاً فضائل مَنْ سمع بها حرص على أن يُقدم عليها ، ثم من فضل الله ورحمته أن سهل لنا السبل ، أن سهل لنا الطرق ، فماذا قال بعدها عليه الصلاة والسلام من باب الإعانة على الخير ؟ قال عليه الصلاة والسلام ( تفتح فيه أبواب الجنة ) وفي رواية لمسلم ( تفتح فيه أبواب الرحمة ) نحن بحاجة إلى رحمة الله عز وجل ، أنت مريض ، أنت فقير ، أنت مهموم ، أنت مغموم ، أنت في حالة كئيبة  ، هذا الشهر ( تفتح فيه أبواب الرحمة وتغلق فيه أبواب النيران ) بل قال عليه الصلاة والسلام كما في السنن ( إذا كان أول ليلة من رمضان صفِّدت الشياطين ومردة الجن )

شهر عظيم ، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( قال الله تعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ) لأن الصوم يتحقق فيه الإخلاص فبإمكان الإنسان أن يقول أنا صائم ثم يخلو بنفسه ويأكل لا يراه إلا الله عز وجل ( قال : إلا الصوم فإنه له وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) ثم قال ( للصائم فرحتان يفرحهما فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ) ليس الأمر مقصورا على أن نحبس بطوننا عن الأكل والشرب بالنهار ( كلا ) وإنما المقصود أن تتقي الله سبحانه وتعالى ، ولذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما كما في الصحيحين ماذا كان يقول في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ؟ لأنه كان يتقرب إلى الله عز وجل في سائر الأزمان والأيام ولكن إذا جاء رمضان زاد الخير خيرا ، ماذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ؟ قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ) في جميع الأحوال ( وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ) ولذا النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس الصيام من الطعام والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث ) وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( الصيام جُنَّة ) يعني ساتر ووقاية ، إذا لم يكن هذا الصيام مانعا لك وحاجزا لك عن اقتراف ما حرَّم الله ففي صومك شائبة ، قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( الصيام جنة ) كيف يكون جُنة ؟ ضرب لنا مثالا عليه الصلاة والسلام هذا المثال يعبر عن أقل ما يكون لدى الإنسان في التمسك بأمر الله قال ( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل فإن امرئ شاتمه فليقل إني صائم ) فليس من عادة الصائم أن يلغو وأن يجهل ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري ( من لم يدع قول الزور والعمل والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )

نسأل الله عز وجل أن يمنَّ على قلوبنا بالهداية وأن يبارك لنا في بقية شعبان وأن يبلغنا رمضان وأن يجعلنا من عباده المُخلِصين المخلَصين المتقين الذين يتقربون إليه في هذا الشهر بالأعمال الصالحة الفاضلة وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وسائر الأعمال وأن يجعلنا من عتقائه من النار إنه ولي ذلك والقادر عليه .

الخاتمة : ....

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com