: محاضرات و كلمات
طباعة

  : محاضرات و كلمات
الموجبتان
 

 

 

 


محاضرة بعنوان [ الموجبتان ]

لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى وآله وصحابته وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ،     أما بعد /

أيها - الأحبة في الله – هناك كلمة أرَّقت عيون الأخيار ، وأقلقت مضاجع الأبرار تلك الكلمة غيرت مسار أناس كثر كانوا في جاهلية عمياء،  تلك الكلمة حرِّي بكل مسلم أن يحذر ويحذر منها ، كلمة تتكون من خمسة حروف وهي [ النار] أعاذنا الله وإياكم منها ، وردت هذه الكلمة في مواضع عدة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول الله جل وعلا { فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى }الليل14 ، وثبت في المسند من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أنذرتكم النار ، أنذرتكم النار ، حتى لو كان أحدٌ بالسوق لسمعه من مقامي هذا حتى وقعت خميصة كانت عليه عليه الصلاة والسلام وقعت عند قدميه حذرا من هذه الكلمة )

ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام كما صح عنه في سنن الترمذي ( ما رأيت مثل النار نام هاربها ) وكان ابن الجوزاء يقول ( والله لو وُلِيِت من أمر الناس شيئا لأمرت رجالا يخرجون في الطرقات فينادون في الناس : النار ، النار )

{ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً{13} هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ {14} أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ{15} اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }

أين أنت يا مَنْ تركت الصلاة وأهملتها ؟ ألا تخاف ؟ ألا تخشى ربك؟ تصور لو قبضت روحك وقد وضعت رأسك على فراشك وبَيَّت النية على ألا تقوم للصلاة ، فبماذا تقابل ربك ؟ ( مَنْ ترك الصلاة فقد كفر ) كما صح عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم وفي غيره ، اتقِ الله جل وعلا ،

وأبـى معـــــادا صالحــــا ومـــآبا

***

خسر الذي ترك الصلاة وخابـا

أضحـــى بربـــك كافــــرا مرتــابا

***

إن كان يجحدها فحـسبـــك أنه

غطى على وجه الصواب حجــابا

***

أو كان يتركها لنــــوع تكـاسل

إن لم يتب حد الحســام عقــابــــا

***

فالشافعـــــي ومـــالك رأيــا له

تكون في عداد الكفار ، في الدرك الأسفل من النار ، تسحب يوم القيامة على وجهك إلى نار جهنم { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ{47} يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } هذا بإهمالك في الدنيا ، اتق الله ، راجع نفسك ، أعد حساباتك في هذا الشهر الكريم ، يقول عثمان رضي الله عنه ( والله لو وضعت بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما أصير لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير ) عمر رضي الله عنه مع ما له من المناقب الرفيعة والمزايا العظيمة ( كان يوقد النار ثم يقترب منها ويقول : يا ابن الخطاب هل لك على هذا من صبر ؟ )

الأحنف بن قيس تابعي جليل ( كان يوقد المصباح بالليل ثم يضع أصبعه قريبا من المصباح فيقول : حس يا أحنف ، حس يا أحنف ، ما حملك على ما صنعت في يوم كذا وكذا )

الواحد من الصحابة إذا أذنب ذنبا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( هلكت ) ( احترقت ) و كثير من الناس في هذا الزمن يفعل الذنب ، يعصي الله عز وجل وهو يضحك ، - سبحان الله – أَمِن من مكر الله جل وعلا ، والله إن البعض من الناس قد يضحك والمنية فوق رأسه ، كما قال الشافعي :

لو كان يعلم غيبا مات من كمد 

***

كم ضاحكٍ والمنايا فوق هامته

كم سمعنا وسمعنا من القصص الشيء الكثير ، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم ( والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ،

قالوا يا رسول الله ما رأيت ؟

قال: رأيت الجنة والنار )

إبراهيم التيمي تابعي يقول ( جلست مع نفسي ) يجب أن تجلس مع نفسك عدة جلسات تنظر إلى ما تركت وما أهملت من الواجبات وما فرطت ، يقول ( جلست مع نفسي فمثلتها وصورتها في النار آكل من زقومها وأشرب من حميمها ، فقلت: يا نفس أي شيء تشتهين ؟

قالت : أشتهي أن أرجع إلى الدنيا فأعمل صالحا فأنجو به من هذا العذاب ،

فقال : يا نفس أنت الآن في دار المهلة ، في زمن المهلة )

ابن عمر رضي الله عنهما ( يؤتى إليه بماء بارد فيبكي ويشتد بكاؤه ،

فيقال له : ما بالك يا أبا عبد الرحمن ؟

فقال : تذكرت قول الله جل وعلا  { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } فعلمت أن شهوة أهل النار [ الماء البارد ] )

{وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ }الأعراف50

الواحد منا لا يستطيع أن يضع يده أمام بخار الماء الحار دقيقة واحدة ، [ الإبريق ] افتح الغطاء وهو يغلي بماء وضع يدك ما تتحمل دقيقة أو دقيقتين ، فكيف بنار الدنيا !؟ ونار الدنيا أطفئت بالماء مرتين كما ثبت في سنن ابن ماجة من قوله عليه الصلاة والسلام ( لولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها أبدا ) ما ننتفع بها لا بطهي طعام ولا باستدفاء ، هذه النار ، نارنا التي بُرِّدت مرتين إذا قيست بنار الآخرة [ واحد على سبعين ] أما القعر فقد ثبت في صحيح مسلم ( أنه عليه الصلاة والسلام وعنده أصحابه سمع  وجبة ) يعني صيحة ( فقال عليه الصلاة والسلام : أتدرون ما هذا الصوت ؟

قالوا : لا يا رسول الله ،

قال : هذه حجر ) وفي رواية الترمذي ( حجر عظيم )

( ألقي في النار منذ سبعين سنة فالآن انتهى إلى قعرها ) نسأل الله العافية ، هذه عمقها ،

أما سعتها ثبت في صحيح مسلم ( قالت عائشة يا رسول الله : إذا كانت الأرض يوم القيامة في قبضة الرحمن ) قال تعالى { وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ( إذا كانت الأرض في قبضة الرحمن أين الناس ؟ قال: هم على جسر جهنم )

وهذه النار لها أبواب { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ }الحجر44 ، كذا ؟ لا ، تغلق عليهم ، موصدة ، وعلى الأبواب أعمدة ممددة حتى لا يصل إليهم خير أبدا { إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ{8} فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ }

أما شدة حرها / فقد ثبت في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( اشتكت النار إلى ربنا فقالت : يا رب أكل بعضي بعضا فنفسني فأذن لها بنفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء ، فأشد ما تجدون من الحر من سمومها وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها ) في الصيف كم نعاني ؟ نلبس الثياب الرقيقة ، نسافر إلى الأماكن الباردة ، نهرع إلى هواء المكيفات في البيت ، في السيارة ، وهذه حرارة شمس كيف بالنار ؟ وهذه الشمس تبعد عنا إن صحت المقاييس أكثر [ من تسعين مليون ميل ] كيف إذا أدنيت من الرؤوس يوم القيامة مقدار ميل؟ كيف تكون أحوال العصاة والمجرمين ؟ ( بل كل يوم قبل الزوال تُسعَّر جهنم ) كما ثبت في صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام ولهذا ثبت عند البزار بإسناد حسنه الألباني [ وكل ما أذكره من الأحاديث فهي أحاديث ثابتة صححها كثير من العلماء وصحح جميعها علامة عصره الشيخ الألباني رحمه الله ] يقول النبي عليه الصلاة والسلام ( لو أن رجلا من أهل النار في المسجد وكان فيه مائة ألف أو يزيدون فتنفس ) نفس واحد ( فأصابهم نَفَسُه لاحترق المسجد بمن فيه ) {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } تكاد تتقطع من شدة بغضها على أهلها وعلى أصحابها ،

وجهنم فيها ظل لكن مكون من ماذا ؟ من دخانها ،{ َأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ{41} فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ{42} وَظِلٍّ مِّن يَحْمُوم } يعني من نار جهنم ، من دخانها { وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ{43} لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ } أعاذنا الله وإياكم منها .

أما سلاسلها / فاسمع إلى قول الله جل وعلا وإلى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما قال تعالى { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ{30} ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ{31} ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ } يقول ابن عباس رضي الله عنهما ( تسلك في دبره حتى تخرج من منخريه فلا يقوى أن يقوم على رجليه )

{ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ{21} كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ }

أما الطعام / اسمع يا مَنْ تتعاطى الربا ، يا مَنْ تأكل الأموال المحرمة ، يا مِنْ أبحتها لنفسك في هذه الدنيا فلم تفرق ولم تميز بين حلال ولا حرام ، اسمع قبل أن يقال لك [ كُلْ رغم أنفك ] اتق الله جل وعلا، عد إلى رشدك ، تب إلى الله توبة نصوحا من الربا ومن الأموال المحرمة، اسمع إلى الطعام قال تعالى { إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ{43} طَعَامُ الْأَثِيمِ{44} كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ{45} كَغَلْيِ الْحَمِيمِ{46} خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ{47} ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ{48} ذُقْ } امتنع قبل أن يقال لك : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } عزيز كريم في الدنيا بهذه الأموال التي ستصبح وبالا عليك ، ولهذا ثبت عند الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( لو أن قطرة من الزقوم ) شجرة الزقوم أخذ منها ورقة فعصرت فنزلت منها قطرة إلى الدنيا ( نزلت إلى الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم ) فكيف بمن تكون طعامه ؟ قطرة واحدة لا تهنأ بعدها لا بأكل ولا بشراب { إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً{12} وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ } يقف في الحلق ، تستنجد بماء  ؟ تعطى ماء ، وستسمع إلى هذا الماء ، يستغيثون،  تقف الأطعمة المرة في حناجرهم فيستغيثون ، يطلبون الماء { وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً } { وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ 16} يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ } نسأل الله العافية أنواع وصنوف العذاب تنصب عليه ، ولكنه لا يموت فيها ولا يحيى ، فلا يموت فيستريح ولا يحيى حياة يسعد بها ، { وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ16} يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }

أوما سمعت يا مَنْ تتعاطى المسكرات ؟ اسمع إلى ما ثبت في صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( إن على الله عهدا لمن شرب المسكر ليسقيه من طينة الخبال ،

قيل يا رسول الله وما طينة الخبال ؟

قال : عصارة أهل النار )

{ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ }

أما الكسوة ، اسمعي يا مَنْ أسأت إلى المرأة المسلمة ، أسأتِ إلى الفتيات السعوديات يا مَنْ وضعت العباءات على كتفيك ، يا من ارتديتِ العباءات المزركشة ، يا من أبديت عينيك وفتنت بها خلق الله ، يا من أظهرت أعالي خديك ، اتقي الله جل وعلا قبل أن تُسَمَّر عينيك ، اتقي الله ، اسمعي إلى كسوة أهل النار أعاذنا الله وإياكم منها {  فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ{19} يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ{20} وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ }

قطران: أي نحاس ،

{ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ }

{ مِهَادٌ } يعني فراش .

{ غَوَاشٍ} يعني لحاف ، نار على نار ، في الأعلى نار ، وفي الأسفل نار ، عائذا بالله من النار ، عائذا بالله من النار ، بل إن الأمر لا يقتصر على ذلك ، بل يعظم الجسم حتى يعظم ويشدد عليهم العذاب ، ثبت في صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( ضرس الكافر مثل جبل أحد ) هذا الضرس كيف بالجسد ، ( وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ) تصور لو كنت تسير على خيل مُضَمَّر سريع ثلاثة أيام لا تفتر عن السير كم تقطع من المسافة ؟ تلك المسافة هي غلظ جلد الكافر

 {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } تلفح النار الوجوه فتتقلص الشفاة فتظهر الأسنان ،

{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ } ثبت في سنن ابن ماجة أنه عليه الصلاة والسلام قال ( إن من أمتي مَنْ يعظم للنار حتى يكون أحد زواياها ) ومجلسه كما ثبت عند الترمذي وغيره( مجلس الواحد من أهل النار كما بين مكة والمدينة ) مما يدل على عظم أجسامهم ، أهون أهل النار عذابا ، أقل واحد كما ثبت في الصحيحين ( مَنْ توضع له جمرتان في أخمص قدميه يغلي منهما دماغه ) زاد مسلم ( يرى أنه أشد عذابا وإنه لأهونهم عذابا ) جمرتان يغلي منهما الدماغ مع البعد بينهما فكيف بالساقين ؟ كيف بالفخذين ؟ يؤتى بالرجل من أهل النار ، مُنعْم في الدنيا ما مر عليه أي بؤس أي فقر لكنه من أهل النار ، كما ثبت في صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيغمس في النار غمسة ) كأن تأتي بتمرة وتغمسها في ماء أو في لبن ثم تخرجها ( فيقال له : يا ابن آدم هل مر بك خير قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟

فيقول : لا والله يا رب ما مر بي نعيم قط ) غمسة واحدة فكيف بمن تكون النار قراره ومآله ؟

{ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ }الهمزة7

يقول أحد المفسرين [ تأكله النار كله فلا يبقى إلا فؤاده ثم ينشأ خلقه مرة أخرى ]  { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً }النساء56 ، لا تتناسب مع هذه الآية { إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } ظهرت عزة الله وقدرته وقوته ، أين أنت يا مَنْ عصيت أمره ؟  يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري ( كلكم يدخل الجنة إلا مَنْ أبى ، قيل يا رسول الله مَنْ يأبى ؟) مَنْ هو هذا المجنون الذي يأبى الجنة ؟ ( قال : مَنْ أطاعني دخل الجنة ومَنْ عصاني فقد أبى )

{ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ{74} لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ }

{ مُبْلِسُونَ } أي : ساكتون ، سكوت يئس وقنوط ، يهرعون إلى مَنْ ؟ إلى خزنة جهنم ،  { َوقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ } يوم واحد ، { قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ } أي أنتم ؟ سمعتم المواعظ ، سمعتم الخطب ، قرأتم كتاب الله جل وعلا ، الآن تندمون ! ما ينفع الندم ، فيهرعون إلى [ مالك ] رئيس الخزنة ، هذا المَلَك ( لم يضحك ) كما ثبت في صحيح مسلم ( منذ أن خلقه الله ) حتى لا تجد الرحمة إلى قلبه سبيلا إلى هؤلاء ، ثبت في ليلة الإسراء والمعراج في صحيح مسلم ( أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل : يا جبريل ما مررت على ملأ من الملائكة إلا سلموا عليَّ وضحكوا لي إلا رجلا سلم عليَّ ولم يضحك ، فقال جبريل: يا محمد هذا مالك ما ضحك منذ خلقه الله ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك ) يهرعون إليه  { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } نريد القضاء ، نريد الراحة ، نريد الموت ، { وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً } { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ } قد قيل في التفسير إن صح [ إن بين سؤالهم وإجابة مالك ألف سنة ] لم يرد عليهم إلا بعد ألف سنة ، فيرجعون إلى الله عز وجل { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ }  فتأتيهم الإجابة  { قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ {108} إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ{109} فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً } تتخذون المستقيمين على شرع الله سخريا وتستهزئون بهم إذا دعوكم إلى الحق الآن تريدون النجاة من النار ! { قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } بعدها يسكتون سكوت يئس وقنوط ، بل تزداد حسرتهم فقد ثبت في صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال ( لا يدخل النار أحد من أهلها حتى يُرى مقعده من الجنة ، يقال له : انظر إلى مقعدك لو أحسنت) فيزداد حسرة وندامة 

ثبت في الصحيحين ( تحاجت الجنة والنار ، فقال الله عز وجل لكل منكما عليَّ ملؤها )

فيا – عبد الله – 

عما قليل ولا تــدري بـــم تقــــــع

***

فكيف سهوك والأنبـاء واقعـــة

أم الجحيــــم فـــلا تبقي ولا تذرُ ؟

***

أفي الجنان وفوز لا انقطاع له

إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا

***

تهوي بسكانها طورا وترفعهم

 

***

طال البكاء .....

اسمعي يا مَنْ أبديت عينيك تفتنين بهما خلق الله ، اتقي الله ، عودي إلى رشدك ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في سنن ابن ماجة بإسناد حسنه الألباني رحمه الله ( إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت وإنهم ليبكون الدم مكان الدمع )

 هيهات لا رقة تغني ولا جزع

***

طال البكاء فلم ينفع تضرعهم

 

***

لينفع العلم قبل الموت عالمه

الآن عندك علم ، تسمع الآن ، لتنتفع بهذه المواعظ ، لا من حين أن تخرج من هذا المسجد وتبيح لنفسك ما حرم الله من النظر إلى [ الأفلام الخليعة الساقطة ] وإلى [ معاكسات النساء في الأسواق ]

قد سأل قوم الرجعى بها فما رجعوا

***

لينفع العلم قبل الموت عالمه

ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتـظر

***

يا غافلا عن منايا ساقها القدر

عن الحقيقة واعلم بأنها ســـقر

***

عاين بقلبك إن العين غافــلة

للظالمين فلا تبـــــقي ولا تذر

***

سوداء تزفر من غيظ إذا سُعِّرت

نعوذ بالله من النار ، نعوذ بالله من النار ، نعوذ بالله من النار ،

ثبت في سنن ابن ماجة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( مَنْ استعاذ بالله من النار ثلاثا قالت النار اللهم أعذه من النار ) احرص على هذا الدعاء واحرص على تقوى الله عز وجل حتى تفلح وحتى تنجو مما سمعت من العذاب .

أما الجنة هي دار المتقين ، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهلها وممن كتبت له في هذا الشهر الكريم ، يقول الله جل وعلا {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ } لمن ؟{ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } ما من إنسان يوم القيامة إلا وسيمر على الصراط ، والصراط / موضوع على متن جهنم من سقط منه سقط في جهنم وهو أدق من الشعرة وَأَحَدُّ من السيف ، يمشي عليه الناس على قدر أعمالهم فمنهم مَنْ يمر كالبرق ، ومنهم مَنْ يمر كالطرف ، ومنهم مَنْ يمر كأجاويد الخير والإبل ، ومنهم مَنْ يحبو حبوا ، فإذا اجتاز المؤمنون الذين كتبت لهم الجنة اجتازوا الصراط يحبسون في مكان ، ما يدخلون الجنة فورا وإنما يحبسون في مكان يسمى بـ[ القَنْطَرة ] ( موضع بين الجنة والنار ) كما ثبت في صحيح البخاري ( لأن بينهم ضغائن فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت في الدنيا حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم بدخول الجنة )

فإذاً يجتازون الصراط يقول الله جل وعلا { وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً{71} ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } تزال عنهم الضغائن فيدخلونها { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ{47} لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ{48} نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{49} وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ }

الجنة /

  فنعيمها باقٍ وليس بفانِ 

***

جنة طابت وطابت نعيمها

يقول عليه الصلاة والسلام كما ثبت عنه عند الترمذي ( ما رأيت مثل الجنة نام طالبها ) ما ينبغي لك أن تنام أو تتكاسل ،

أول مَنْ يدخلها نبينا عليه الصلاة والسلام ، ثبت عند الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال ( أنا أول مَنْ  يأخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها ) وجاء في رواية مسلم ( يطرق عليه الصلاة والسلام الباب فيقول خازنها:  مَنْ أنت ؟

فيقول:  أنا محمد ،

فيقول: بك أُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك )

{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ{45} ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ } اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين ،

أما الأبواب(  فهي ثمانية )  كما جاء في صحيح مسلم ويرجو النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين ( أن يحظى أبو بكر بدخول جميع هذه الأبواب )

{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ }

أما سعة الأبواب ، فقد جاء في صحيح مسلم ( أن ما بين المصراعين ) يعني جانبي الباب ( مسيرة أربعين سنة ) وجاء في الصحيحين ( أن ما بين المصراعين كما بين مكة وهجر ، أو ما بين مكة وبصرى ) أي ما يقارب [ ألف ومائتي كيلو ] سعة الباب ، قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم ( وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام ) وقد سبق معنا في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام أخبر ( بأن الله عز وجل قد تكفل بملء الجنة وبملء النار ) فأما الجنة فينشئ الله لها خلقا تفضلا منه وأما النار فإن الله لا يظلم أحدا ، فإذا قالت جهنم{ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }( فيضع الرب عز وجل قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول قَطٍ قَطٍ )  يعني يكفيني يكفيني ،

ولتبشروا يا أمة محمد فإن ثلثي أهل الجنة من أمة محمد كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الترمذي حينما قال ( أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم )

دخل أهل الجنة الجنة ، إلى أين يذهبون ؟  يذهبون إلى قصورهم ،  إلى مساكنهم ، وهل يعرفونها ؟ يقول الله جل وعلا { وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } ثبت في صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال( والذي نفسي بيده إن أحدهم أهدى إلى منزله في الجنة منكم بمنزله كان في الدنيا ) مباشرة يتوجه إليه ، وجاء عن الرب كما في الحديث القدسي كما في الصحيحين ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) واقرءوا إن شئتم { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{17} أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ{18} أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

هذه الدنيا حقارتها ، لها نعطي ، ومن أجلها نغضب ، ومن أجلها نعصي الله عز وجل ، من أجلها نقترف المحرمات ونستبيحها لأنفسنا ، اسمع لحقارتها يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( إن موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) وجاء عند مسلم ( ما الدنيا عند الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ) في البحر ( فلينظر بم يرجع ) أدخل أصبعك في البحر كم تأخذ من مياه البحر ؟ لا تأخذ شيئا ، كذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة ، ولهذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال كما في الصحيحين في صلاة الكسوف ( هممت أن أتناول عُنقودا من الجنة ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ) وجاء عند مسلم ( أن الرجل الفقير الذي مرت عليه الأحزان والمصائب في هذه الدنيا لم يستمتع بها لكنه من أهل الجنة ، يوم القيامة يؤتى به فيغمس في الجنة غمسة فيقال : يا ابن آدم هل مر بك ضر قط ؟ هل مر بك بؤس قط ؟ فيقول : لا والله يا رب )

يدخلون الجنة كما ثبت في الصحيحين ( أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء لا يبولون لا يتغوطون لا يمتخطون ، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة ، أزواجهم الحور العين أخلاقهم على صورة رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا، يسبحون الله بكرة وعيشا لا تباغض بينهم ولا اختلاف )

أهل الجنة عندهم تركة يرثونها كيف ذلك ؟ يقول عليه الصلاة والسلام كما في سنن ابن ماجة ( ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا دخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى { أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ } )

هناك لأهل الجنة نداءات جليلة من الجليل جل وعلا ثبت في الصحيحين ( أن الله جل وعلا يقول يا أهل الجنة ،

فيقولون لبيك وسعديك ،

فيقول هل رضيتم ؟

فيقولون : يا ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك ،

فيقول: أعطيكم أفضل من ذلك وأعظم ،

فيقولون: يا ربنا أي شيء أعظم من هذا ؟

فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا )

{ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ{68} الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ{69} ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ{70} يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{71} وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }  ففي صحيح مسلم ( ينادي منادٍ يا أهل الجنة : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا )

أما بناؤها وترابها ، فاسمع إلى ما ثبت في سنن الترمذي ( لبنة من فضة ولبنة من ذهب ملاطها المسك الإذفر، حصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، تربتها الزعفران ) وثبت في الصحيحين ( أن في الجنة جنتين ) يعني بستانين ، ( واحد من هذين البستانين ذهب ) كل ما فيه ذهب( والبستان الآخر فضة ) ( وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن )

{ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً{61} لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً{62} تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } مَنْ اتق الله عز وجل سيرث هذه الجنة العظيمة ،

وثبت في الصحيحين ( أن في الجنة خيمة مكوناتها من درة مجوفة ، عرضها ) ليس طولها ( عرضها ستون ميلا في كل زاوية فيها أهل لا يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن )

أين يذهب الطعام ؟ لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم ( أنهم لا يمتخطون ولا يتفلون ولا يتغوطون ، فقال رجل يا رسول الله : أين يذهب الطعام ؟

فقال : جُشَاء ) والجشاء : هو تنفس المعدة عند الامتلاء ، لكن في طبيعة البشر في هذه الدنيا قد تنبعث من هذا الجشاء رائحة كريهة ، أما هناك

( جشاء ورشح كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس )

الأنهار ، اسمع إلى الأنهار { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ }  أربعة بحار / بحر من الماء – بحر من العسل – بحر من اللبن – بحر من الخمر ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الترمذي ( ثم تشقق الأنهار بعد ذلك ) وثبت عند ابن أبي الدنيا بإسناد حسنه الألباني رحمه الله أنه عليه الصلاة والسلام قال ( أتظنون أن لها أخدودا ؟ ) يعني هذه البحار لها حواجز تحجز الماء ؟ لا والله ( إنها لسائحة على الأرض )

هذه الأرض يوم القيامة ماذا تكون ؟

تكون خبزة ، كما ثبت في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( إن هذه الأرض تكون خبزة يوم القيامة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة ) يعني أول ما يقدم عليك ضيف تقدم له [ القهوة والشاي ] يوم القيامة نزل أهل الجنة هذه الأرض ، يكورها الله عز وجل ويكفأها حتى تكون خبزة ( فقال رجل من اليهود : بارك الله فيك يا أبا القاسم ألا أخبرك ما هو إدامهم مع هذه الخبزة ؟

فقال عليه الصلاة والسلام : بلى ،

فقال : ثور وحوت ، يأكل من زائدة كبدهما ) ليس من الكبدة ، بل من الزائدة ، قطعة معلقة في الكبدة

( يأكل من زائدتها سبعون ألفا )

أما الطيور ، فقد ثبت عند الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ( إن الطير أعناقها كأعناق النوق ،

فقال عمر يا رسول الله : إنها إذاً لناعمة ،

فقال عليه الصلاة والسلام : أَكْلَتُها أنعم منها )

أما أشجارها وزروعها ، الأشجار والزروع ثبت في صحيح البخاري  ( أن النبي صلى الله عليه وسلم يحدث وعنده رجل من أهل البادية ) كما ذكر ذلك أبو هريرة ( فأخبر عليه الصلاة والسلام أن رجلا من أهل الجنة قال : يا رب أريد أن أزرع ،

فقال : يا ابن آدم أما يكفيك ما أنت فيه ؟

فقال : بلى أُحب أن أزرع

فقال : دونك ، فَبَذَرَ ، فبادَرَ ) يعني سارع الطرف نابته ، مباشرة طال هذا الزرع في لحظة واحد حتى صار أمثال الجبال

( فقال الله جل وعلا : يا ابن آدم دونك هذا فإنه لا يشبعك شيء ،

فقال هذا الرجل من أهل البادية : والله يا رسول الله ما أرى هذا الرجل إلا أنصاريا أو مهاجريا ، فإنهم أصحاب زرع ، أما نحن فلسنا بأصحاب زرع ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه )

وثبت في الصحيحين ( أن الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها )

وأما ( طوبى ) التي نسمع عنها ، فقد ثبت في المسند ( أن ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) ولهذا جاء في معجم الطبراني ( أنه عليه الصلاة والسلام لما قرأ  {  فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ{28} وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } فقال هذا الرجل: والله ما سمعتك تذكر في وصف الجنة إلا هذه الشجرة وما رأيت في الدنيا أكثر شوكاً منها ،فقال عليه الصلاة والسلام : يجعل الله مكان كل شوكة مثل خصية التيس المخصي ، فيها ) يعني في كل شوكة ( فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لونه لون الآخر )

وثبت عند الترمذي ( ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب )

أما أوصاف أهل الجنة ، نسأل الله جل وعلا أن نكون منهم ، فقد ثبت عند الترمذي ( أنهم جُرْدٌ مُرْدٌ ، لا شعر لهم ، مكحلين ) هكذا خِلْقَة ( أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة ) وثبت عند البيهقي ( أن خلقتهم على خلق آدم ، وقلوبهم على قلب أيوب،  وجمالهم على حُسْنِ يوسف ) وقد ثبت في صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام ( أن يوسف أعطي نصف الحسن ) ولهذا ثبت عند الترمذي ( لو رجلا من أهل الجنة اطلع فبدت أسواره على الأرض لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم )

أما الزوجات ، فإن امرأة وهي إحدى خالات عائشة رضي الله عنها كما عند البيهقي في الشعب ( أتته فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني من أهل الجنة ، فقال عليه الصلاة والسلام ) يمازحها ويداعبها ( إن الجنة لا يدخلها عجوز ، فولت تبكي ،

فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ألم تسمع قول الله جل وعلا { إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء{35} فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً } ) { وَحُورٌ عِينٌ{22} كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ{23} جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }

ولذا ثبت في صحيح البخاري ( لو أن امرأة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولنصيفها ) يعني خمارها ( على رأسها خير من الدنيا وما فيها ) وثبت في الصحيحين ( لكل منهم زوجتان يُرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ) وثبت في صحيح مسلم ( ما في الجنة أعزب ) وثبت عند الترمذي ( أن المؤمن يعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة ) وثبت عند الطبراني ( أن تلك النساء ليغنين لأزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط ، وإن مما يغنين :

أزواج قــــــــــوم كـــــــرام

***

نحن الخيرات الحـســـان

نحن الخالدات فــلا يمـتـــن

***

ينظرن بقـــر أعيــــــــان

ونحن المقيمات فـــلا يظعَن

***

ونحن الآمنات فـلا يخفن

ولما  ( سُئل النبي صلى الله عليه وسلم ) كما عند أبي نعيم ( هل نصل إلى نسائنا في الجنة ؟

فقال عليه الصلاة والسلام : إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء) وثبت عند ابن ماجة والترمذي ( أن الرجل إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسِنُّه في ساعة واحدة كما يشتهي ) وثبت عند الترمذي ( أن الحور العين يشتقن إلى أزواجهن من أهل الجنة في هذه الدنيا ) وثبت عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين : قاتلك الله لا تؤذيه فإنه دخيل ) يعني ضيف عندك ( يوشك أن يفارقك إلينا ) أما أدنى أهل الجنة منزلة ، أقل واحد ، اسمع ، ثبت في الصحيحين ( أن آخر مَنْ يخرج من النار رجل يحبو حبوا ،

فيقول الله جل وعلا : يا ابن آدم ادخل الجنة ،

فيدخلها فيخيل إليه أنها ملأى ،

فيرجع فيقول : يا رب وجدتها ملأى ،

فيقول الله جل وعلا : ارجع فادخلها ،

فيدخلها فيخيل إليه أنها ملأى ، فيرجع ،

فيقول الله جل وعلا : ادخل الجنة ولك مثل الدنيا وعشرة أمثالها ،

فيقول : أتضحك بي وأنت الملك ؟

قال ابن مسعود رضي الله عنه : فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قال : هذا أدنى أهل الجنة منزلا )   ونعيمهم لا ينقطع ، حتى النوم لا ينامون { لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ{56} فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } هذا هو الفوز الحقيقي ، ولهذا ثبت عند البيهقي ( أنه عليه الصلاة والسلام سئل أينام أهل الجنة ؟

فقال : النوم أخو الموت ، ولا يموت أهل الجنة )

أما أفضل النعيم ، أفضل النعيم كما جاء في صحيح مسلم ( أنهم إذا دخلوا الجنة نادى منادٍ إن ربكم له معكم موعداً ، يريد أن ينجزكموه فقالوا : ألم يبيض وجوهنا وينجنا من النار ويدخلنا الجنة ؟

قالوا : بلى ،

فيكشف الحجاب ، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه) هذه هي الجنة يا عبد الله فكيف الوصول إليها ؟ وتلك هي النار فكيف الخلاص منها ؟

يكون ذلك بتقوى الله جل وعلا ، باجتناب محارمه ، وبفعل أوامره ، وبكثرة الدعاء ، فقد ثبت في سنن ابن ماجة ( أن المرء المسلم إذا استعاذ من جهنم ثلاث مرات ، قالت : النار اللهم أعذه من النار ، وإذا سأل الله الجنة قالت الجنة : اللهم أدخله الجنة )

فيا أخي / لا تشغلنك هذه الدنيا 

وانظر إلى فعلها في الأهل والـوطـــــن

***

فـــــلا تغرنـــك الدنيــــا وزينتــــــــها

هل راح منهـا بغيــــر الحنـــط والكــفن

***

وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعهــا

لو لم يكن لك فيهــا إلا راحـــــة البــدن

***

خذ القناعة من دنيــــاك وارض بـهـا

على المعاصي وعيـن الله تـــنظـــــرنيِ

***

أنا الذي اغلق الأبــــواب مجتـــهـــدا

وقد تماديت في ذنبــــي ويســــترنــــي

***

ما أحلم الله عنــــي حيث أمـــهلنــــي

ولا بكــــــاء ولا هـــــــم ولا حــــــــزنِ

***

تمر ساعـــــــات أيامـــــي بلا نـــــدم

فعلا جميــــــلا لعــــل الله يرحمــــــــني

***

يا نفس كفي عن العصيـان واكتسبي

حسنا عسى تجزين بعد الموت بالحسنِ

***

يا نفس ويحــــك توبـــــي واعمــــلي

أسأل الله عز وجل أن ينجينا وإياكم من النار وأن يدخلنا الجنة ، اللهم آمين ، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبيا محمد .

 

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com
عدد الزوار : 68701