خطبة ما أحوجنا إلى الرفق
لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري
www.albahre.com
الخطبة الأولى
أما بعد : فيا عباد الله /
لين الجانب بالقول والعمل والأخذ بالأسهل هذا هو ما يسمى بـ [ الرفق ] كما أفاد ونقل ابن حجر رحمه الله في الفتح ،
الرفق – عباد الله – نحن مع الرفق في خلاف ، ونحن معه في تباين وشتات ، ذلك لأن العجلة قد أنشبت أظفارها في أحوالنا وتصرفاتنا كلها ، حتى إن العجلة لغلبة ما تكون في أحوالنا وتصرفاتنا كأننا خلقنا منها قال عز وجل {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ } نحن لم نُخلق من عَجَل وإنما خُلقْنا من طين وماء ولكن الله عز وجل ذكر أننا خلقنا من عَجَل ذلك لأن صفة العجلة قد استحكمت في أنفسنا وفي أفعالنا ، حتى إن الواحد منَّا ليدعو الله عز وجل أن يصيبه أو يصيب أولاده أو ماله بالضرر والشر نتيجة عجلته قال عز وجل {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً }الإسراء11
قال المفسرون : إن ابن آدم يدعو على نفسه وعلى أمواله وعلى أولاده إذا أصابته الحدة حتى إنه ليتمنى أن ينزل الله عز وجل به عذابه حالة الغضب ،
فانظروا - عباد الله - إلى ما وصلنا إليه نحن البشر ، العجلة صفة ذميمة ، بينما الرفق سمة حميدة تدل على كمال حسن الخلق ، فلا يكون الإنسان رفيقا إلا لأنه مؤشر على أنه ذو خلق حسن وأنه ذو تثبت وأنه ذو صبر وحلم ، فمن افتقد الرفق يوشك أن يفتقد تلك الصفات المذكورة آنفا ، ولذا كان من أسمائه عز وجل [ الرفيق ] كما ثبت في سنن أبي داود ( إن الله رفيق يحب الرفق ) الله رفيق / رفيق في ماذا ؟ رفيق في شرعه ، رفيق في خلقه ،
لو نظرنا إلى رفقه في الخلق / فقد خلق جل وعلا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، لم ؟ مع أنه قادرٌ جل وعلا على أن يقول لهما كونا فتكونان ؟
قال القرطبي - وغيره والحكم كثيرة والله أعلم بها - قال القرطبي رحمه الله في التفسير [ ذلك ليُعلِم عباده التثبت والترسل في أمورهم كلها ] ولذا ثبت عند البيهقي من حديث أنس رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : التأني من الله والعجلة من الشيطان ) العجلة هي التأني و الأمور كلها و الحركات و السكنات كلها لا تكون إلا بقدِر الله فلماذا نسب الله جل وعلا العجلة إلى الشيطان بينما نسب التأني إليه جل وعلا ؟
الجواب / ذلك لأن التأني يحبه الله عز وجل أما العجلة فإن الشيطان يحبها ولذلك يَؤزُّ ابنِ آدم أزَّاً إلى العجلة لأن في إبليس صفة العجلة وذلك لأن الله جل وعلا لما أمره بالسجود لآدم عَجِل إبليس فأبى السجود لآدم فحل به غضب الله ونقمته ،
( التأني من الله والعجلة من الشيطان ) من أسمائه جل وعلا [ الرفيق ] الرفيق في خلقه ومن أمثلة الرفق في خلقه جل وعلا / أنه خلق الخلق أطوارا ، نمى النبات أطوارا ، أحيى وطَوَر الحشرات كلها والخلق كله أطوارا ، مما يدل على حبه جل وعلا للرفق ، الله جل وعلا رفيق في شرعه، رفق بخلقه ، أمرهم بالعبادات تلو الأخرى لم يشرعها عليهم جملة واحدة ولذا غفل الكفار حينما قالوا {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } لكن لمَ لم ينزله كما قالوا ؟ { كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } بل إن الله جل وعلا أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن على أمته بمكث قال عز وجل {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً }الإسراء106
رفيقٌ جل وعلا في شرعه ، في خلقه ( إن الله رفيق يحب الرفق ) ما الذي بعدها ؟ ( ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ) تصور لو أنك سلكت أمراً ترى أن هناك مصلحة تتحقق بالعجلة فيه فلتعلم أنك لو رفقت فيه لتحققت لك مصالح كبرى أكثر من تلك المصلحة ، بل في رواية الطبراني ( إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين على الرفق ما لا يعين على العنف ) سبحان الله / لو أردت أن تسلك أمرا فرفقت فيه من مدلول هذه الرواية يعينك الله جل وعلا وفي عاقبة الأمر يعطيك مصالح كبرى على هذا الرفق، فأنت في أول الأمر معان إذا رفقت في أمرك وأنت في آخر هذا الأمر المُرفق فيه تتحقق لك مصالح كبرى ، والرفق في شرعه وخلقه جل وعلا مَنْ نظر وتأمل فيهما لم يحط بذلك عقل من العقول ، ولا يعني أن الإنسان لا يكون حازما ، ولذا جاء في سنن أبي داود قوله عليه الصلاة والسلام ( التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة ) لأن عمل الآخرة مطالب أن تتسابق فيه ولكن برفق {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ }الواقعة10، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ }المطففين26 ، ليس معنى هذا أن تكون عجلا في فعل العبادة وفي الشروع فيها كلا ، تحرص على أن تأتي بها ولكن إذا أتيت بها ليكن ذلك على رفق ، ألم تسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنت تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار ) هذا هو الشرع ، فالرفق لا ينافي الحزم فإن الإنسان مطالب بأن يكون متأنيا مترسلا وفي الوقت ذاته عليه أن يكون رفيقا في أموره كلها فمتى ما سنحت له فرصة فلا يدعها ، ولذلك ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق التؤدة ؟ انظر واسمع / جاء عند الترمذي قوله عليه الصلاة والسلام ( التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة ) النبوة بمقتضى هذا الحديث أربعة وعشرون جزءا ،من بينها : جزء، هذا الجزء يحتوي على ماذا ؟ يحتوي على ( التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن )
التؤدة / التأني ، وانظروا إلى هذا الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة ( الاقتصاد ) بأن يقتصد الإنسان في معيشته فيكون رفيقا حال الإنفاق ،
والسمت الحسن / أن تكون ذا أخلاق عالية وذا سمت طيب حسن ، ولا يتأتى هذا إلا أن تكون رفيقا ، فانظروا إلى ترابط هذه الأمور الثلاثة وأن هذه الأمور الثلاثة كلها جزء من أجزاء النبوة ، ولذا وصف الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } توجيه رباني إلهي كريم ، قاعدة نسير عليه ونمتثل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم { وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }
إذاً / مَنْ يرأس مجموعة ، أو كان مديرا على موظفين فعليه أن يتقي الله عز وجل في هؤلاء وأن يكون رفيقا مع هؤلاء حتى تتحقق المصالح المترتبة على هذا العمل ، فإن كان عنيفا فاتت عليه المصالح العظيمة الكبرى ، ونحن في هذا العصر يحتاج فيه إلى أن يكون المسؤول رحيما رفيقا متأنيا مع موظفيه مع مرْؤوسيه لم ؟ لأننا في عصر الهموم ، وللأسف نحن أدخلنا الهموم على أنفسنا بالولوغ في هذه الدنيا ، بالغفلة عن ذكر الله عز وجل ، ولذا ترى الواحد يحمل هموما عظمى ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حيث عائشة رضي الله عنها ( اللهم مَنْ ولي ) وهذه تشمل الولاية العامة والخاصة ( اللهم مَنْ ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ، اللهم مَنْ ولي من أمر أمتي شيئا فشق بهم فاشقق عليه ) دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ، بل إن المسؤول إذا كان رحيما رفيقا متأنيا فإنه يكون من أهل الجنة ، ثبت في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام ( وأهل الجنة ثلاثة ) وانظروا إلى هؤلاء الثلاثة كيف ترابطت صفاتهم واتحدت في موضوعنا هذا المسمى بالرفق ، ( وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق مُوَفَّق، ورجل رحيم رقيق القلب على كل ذي قربى ومسلم ، وذو عيال متعفف ) سبحان الله ( ذو عيال متعفف ) ما الارتباط بهذه الصفة في الرفق ؟ لأن الفقير المتعفف تعففه دل على رفقه فلم يلتمس المال من وجوه محرمة ، وهذا إن دل يدل على رفقه ، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رفيقا رحيما رقيقا ، حتى مع الأعداء جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه طائفة من اليهود ) وما أحوجنا في هذا العصر إلى الرفق مع الغير ، ما أحوجنا إلى الرفق مع أعداء الإسلام الذين يعيشون بيننا ، لأن الإسلام ذو قوة ينفذ إلى القلوب ولذا ترون أن عشرات الأشخاص قد أشهروا إسلامهم في هذا الجامع ولو سألتم المكاتب الأخرى والمساجد الأخرى لوجدتم أعداداً كبيرة ، تصوروا لو أن الأناة والرفق في دعوة هؤلاء وإظهار محاسن الإسلام لهؤلاء لو أنه طغى على تصرفاتنا وأقوالنا معهم لدخل كثير من هؤلاء في دين الله أفواجا ( تأتيه طائفة من اليهود فيقولون : السام عليك ) يعني الموت عليك ، لأن كلمة السام شبيهة بكلمة السلام ( فسمعتها عائشة رضي الله عنها فماذا قالت ؟ قالت : وعليكم لعنة الله وغضب الله عليكم ) فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لها ؟ ( قال: مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والفحش والعنف ، فقالت يا رسول الله ؟ أولم تسمع ما قالوا ؟
فقال : أولم تسمعي ما قلت لهم ؟ إن الله يستجيب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيَّ )
انظروا ، والله تتحقق مصالح كثيرة ، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين ( أن ثمامة بن أُثال لما أسر أتاه النبي صلى الله عليه وسلم ) فماذا قال له ؟ ( قال : ما عندك يا ثمامة ؟ ) تأني منه عليه الصلاة والسلام ( فقال ؟ عندي يا محمد خير ، إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن أردت المال فسل ما بدا لك ، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد مرة أخرى و كرر إليه السؤال فأجابه ثمامة بمثل إجابته السابقة ، ثم أتاه الثالثة فتكرر السؤال والجواب ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاق سراحه فانطلق ثمامة حرا ) ولكن ماذا يحمل في قلبه ؟ ( رجع وأشهر إسلامه ) ثم ماذا قال ؟ ( قال : والله يا محمد ما كان دين أبغض إليَّ من دينك فأصبح دينك أحب الأديان ، والله ما كان وجه أبغض إليَّ من وجهك حتى أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ ، والله ما من أرض أبغض إليَّ من أرضك حتى أصبحت أرضك أحب الأراضي إليَّ ، ثم قال يا رسول الله ائذن لي بالعمرة ، فأذن له ، فلما أتى إلى قريش وكان يصدر لهم القمح ، فقال: والله إن عدت إلى اليمامة والله لن تصلكم حبة من قمح حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم ) ما أتى هذا من فراغ ، والأمثلة كثيرة نعم ، لما أوذي عليه الصلاة والسلام إيذاء شديدا كما جاء في الصحيحين ( فأتاه ملك الجبال وقال إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ) وهما الجبلان المحيطان بمكة ( فقال: لا ) لو كان أحدنا في هذا المقام ؟ الجواب لكم ، فماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ ( قال : لا ، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم مَنْ يعبد الله لا يشرك به شيئا ) أبو جهل أخرج من صلبه عكرمة ، أبو لهب أخرج من صلبه بنت اسمها درة ، عقبة بن أبي معيط أخرج الله من صلبه بنتا ، سبحان الله ، وهذا إن دل يدل على رفقه عليه الصلاة والسلام لأن في الرفق مصالح كبرى ، عظمى ، ولذا ( لما أتاه الطفيل بن عمرو ) كما جاء في الصحيحين ( وذهب إلى قومه فلما رجع بعد أن دعاهم للإسلام لم يهتدِ كثير منهم ، فقال يا رسول الله: لم تهتدِ دوس فادع الله عليهم ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ، فقالوا : هلكت دوس ) فماذا كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام ؟ ( قال : اللهم اهدِ دوسا وأتِ بهم ، فذهب الطفيل فأسلم على يديه نفر كثير من دوس )
أزيد ؟ نكتفي بهذا من الأمثلة ، ولكن خذها قاعدة قعدها النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ) وفي صحيح مسلم من حديث جرير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مَنْ يُحرم الرفق يُحرم الخير كله ) طبق ذلك في جميع أمورك كلها ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ) وأنا أحوج منكم إلى هذا الكلام ، لو نظرنا إلى أحوالنا وما جرى لكثير من الناس من الأمراض العصرية من [ الضغط والسكر ] وما شابه ذلك نتيجة ماذا ؟ نتيجة العجلة في الأمور كلها وفي التصرفات كلها حتى في أبسط الأشياء ، نأتي مثلا إلى الشُرب أو إلى الأكل ، إذا قُدِّم للواحد منا طعام وهو كثير قد تنوع نسأل الله العافية كأن الواحد يُسَابق إلى هذا الطعام مع أنه وفير ، تجد أن الواحد يأكل لقمة تلو الأخرى بعجلة ، بينما انظر إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يتنفس خارج الإناء ثلاثا ويقول إنه أهنأ وأبر أ وأمرأ ) إن طبقت هذا زان بدنك وصلحت معدتك وإن لم تطبقه صار لمعدتك من الأمراض ما الله به عليم ،
في قضية السير ، يمكن أن يسير الإنسان في الطريق وإذا بأخ له مسلم ينحرف بسيارته عليه عن طريق الخطأ فتراه يقيم الدنيا ولا يقعدها ، قد يصدر هذا الخطأ منك ، فنتيجة هذا الحدث وما يتلوه من أحداث أخرى يغضب فيها الإنسان قد يقع في أمر لا تحمد عقباه ، بل إن تراكم هذه الأحداث وهذا العنف يصيب البدن بأمراض شتى ،
العجلة حينما يسير الإنسان مسافرا ، تجد أن الواحد متهور يمكن أن يسير بسيارته مائة وثمانين أو مائة وستين أو مائة وأربعين ، لم ؟ من أجل أن يختصر الوقت ربع ساعة أو نصف ساعة لتحقيق مصلحة ما ، ربما لا تتحقق هذه المصلحة ، ربما تكون نهاية هذه العجلة [ القبر] ربما تكون نهاية هذه العجلة [ أن يكون طريحا في الفراش قد تهشمت أعضاؤه ] والوقائع والأحداث كثيرة ، أنت يا ابن آدم لست آلة لابد أن ترفق بحالك ، نعم لست بآلة ، حتى الآلة لا تتحمل ، السيارة التي يُسار بها بسرعة متهورة صلاحيتها لا تتعدى زمنا طويلا ، بينما لو كانت السيارة يسير عليها الإنسان سيرا هادئا { يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً } فإنها تبقى مدة طويلة ، وهذه وهي آلة فكيف بك يا ابن آدم ؟!
حتى في تعلُّم العلم الشرعي نحتاج فيه إلى الرفق ولذا أدَّب الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بآداب يتعلم فيها العلم الشرعي وهي آداب لنا قال عز وجل { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ{16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ{17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ{18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } شيئا فشيئا ولذا لو تنظرون إلى ما بعدها { كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَ } سبحان الله ، نحن عَجِلون في زمن ماذا ؟ في زمن وفي دار العجلة ، والطيور على أشكالها تقع ، ولذا نحب العاجلة حبا عظيما ، لم ؟ لأن الأرواح جنودٌ مجندة ، نحن تشاكلنا معها ، انظروا ولذا الله جل وعلا ماذا قال في سور طه ؟ قال عز وجل { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً }طه114
( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ) الإنسان قد لا يتأتَّى له أن يكون رفيقا ولكن يبقي نفسه هكذا دون أن يربي نفسه ؟ كلا ، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند الخطيب البغدادي وحسنه الألباني رحمه الله ؟
قال عليه الصلاة والسلام ( إن العلم بالتعلم ) موضع الشاهد معنا ( وإنما الحلم بالتحلم ومَنْ يتحر الخير يعطه ) تقدم ، افعل شيئا ، روض نفسك على أن تكون رفيقا ( ومَنْ يتحر الخير يعطه ) يجد الله عز وجل كريما معه ( ومَنْ يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه ) بل اسمع إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها ( إن الله إذا أراد بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق ) هل نحن نطبق الرفق في بيوتنا مع أولادنا مع نسائنا مع بناتنا ؟ الحوار هل يدور بيننا وبين بناتنا وأبنائنا ؟ قد ترى على ابنك شيئا ما ، لكن الواقع الذي نعيشه نحن نرى أننا في عنف في حدة في شدة معهم في الكلام ، يتلقى التوجيه تلقيا صارما ، لا شك أن للأب حقوقا كبرى وعلى الابن أن ينصاع لكن الوقت تغير ، لكن هؤلاء الأولاد تغيروا ليسوا كالأجيال السابقة إذا أمر الأب ابنه ائتُمِر في الحال بينما في هذه العصور اختلف الأمر ، هل جلس أحد منا في ذات يوم من الأيام لما رأى على ابنه ملحوظات كثيرة ؟ هل جلس معه جلسة حوار ؟ هل ناقشه لماذا تصنع هذا يا ولدي ؟ لماذا تفعل هذا ؟ ألا ترى أن هذا يودي بك إلى مساوئ وإلى أمور لا تحمد عقباها ؟ هذه تكاد أن تكون منسلخة في بيوتنا ، تعاملنا مع نسائنا مع بناتنا ، حتى في الحوار في مجالسنا ، ما ترى الآن من صياح ورفع صوت في المجالس نتيجة عدم الرفق ، إن تحاور اثنان قد يكون هذا التحاور في أمر يتعلق بالآخرة وهذه من أعظم المصائب ألّا ينصاع الآخر للحق وقد يكون في أمور الدنيا فيتشاجر ويتحاور اثنان وإذا بكل واحد منهما عَجِلٌ في كلامه ليس مترسلا ولذا يريد أن يكون هو على الحق وأن ما عليه هو الحق ، وهذا خطأ ،وهذا يدخل العبد في الجدل كما جاء في المسند قوله عليه الصلاة والسلام ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلى أوتوا الجدل ) انظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في سنن أبي داود من حديث جابر رضي الله عنه قال ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم كان لكلامه ترتيل أو ترسيل ) فلو شاء أن يعد العاد كلامه ولو شاء أن يحصيه لأحصى كلامه عليه الصلاة والسلام حتى في أمور العبادة لا يشق الإنسان على نفسه ، ولذلك ( لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على عائشة وعندها امرأة ، فقال عليه الصلاة والسلام مَنْ هذه ؟ قالت عائشة هذه فلانة تذكر من عبادتها كذا وكذا ، فقال عليه الصلاة والسلام : مَهْ ) يعني اكففي ( عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ) والأمثلة كثيرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم رفق حتى بالحيوان جاء في سنن أبي داود ( لما رأى بعيرا قد لحق ظهره ببطنه من الجوع ) ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ ( قال : اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فكلوها صالحة واركبوها صالحة )
إذاً / سبق النبي صلى الله عليه وسلم تلك اللجان التي تدعي الرفق بالحيوان ، سبقها محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه ، نحن بحاجة – عباد الله – وكلنا ذلكم الرجل إلى أن نكون صابرين ، قد يسلك الإنسان طريق الرفق ولكنه قد ينحرف وهذا شيء طبيعي ولكن عليه متى ما تذكر أن يعود ولذا ماذا قال جل وعلا ؟ قال في آخر سورة الأعراف قال تعالى { خُذِ الْعَفْوَ } قاعدة والله لو طبقناها ونسأل الله أن يعيننا والله لو طبقناها لارتحنا راحة كبيرة ولاستفدنا سعادات تترا في دنيانا وفي أخرانا
{ خُذِ الْعَفْوَ } العفو / هو ما زاد وما تيسر من أقوال الناس وأفعالهم ، لا تدقق ما تيسر خذه { خُذِ الْعَفْوَ } لكن لو رأيت خطأً { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } ما تعارف الشرع والعقل على حسنه أؤمر به { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } إن لم ينصع لك أحد أو رأيت أشياء لا تعجبك { وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } لكن الشيطان لا يريدنا كذلك ما الذي بعدها ؟ { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعيقك عن سلوك هذا الطريق ، لكن ما الذي بعدها ؟ أنت متقي أنت مؤمن { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }
فالرفق لابد أن يكون طريقا ملازما للعبد حتى يرتاح في دنياه وفي أخراه ، وأختم بمقولة لأحد الحكماء إذ قال ( ما أحسن الإيمان يزينه العلم ، وما أحسن العلم يزينه العمل ، وما أحسن العمل يزينه الرفق ، وما أُضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم )
الخطبة الثانية
أما بعد : فيا عباد الله /
من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن الريح إذا هبت ) كما جاء في صحيح مسلم ( أن يقال : اللهم إني أسألك خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ) وفي رواية الترمذي ( وخير ما أمرت به ) ( وأعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أرسلت به ) وفي رواية الترمذي ( وشر ما أمرت به ) وثبت عند ابن السني ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح قال : اللهم لقحا لا عقيما ) ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح تغير وجهه عليه الصلاة والسلام وأقبل وأدبر يخشى أن ينزل الله عز وجل بأصحابه العذاب ) وهو مَنْ ؟ النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم مَنْ ؟ الصحابة الفضلاء رضي الله عنهم ، ونحن قد تحدثنا عما جرى من هذه الرياح فيما مضى ، ولكن المتأمل أيها الأحبة يرى أنه إذا جاءت ليلة الأربعاء يبدأ هذا الغبار ثم ينشط في يوم الخميس ويزداد وهذا الأمر يستدعي الإنسان أن يستوقف وأن ينظر إلى حاله لماذا هذان اليومان ؟ نحن لا نتشاءم بهذه اليومين ولا نتشاءم بشيء ، ولكن- والله أعلم- أن هذين اليومين هما يوما عطلة ويكثر فيها من الفساد حسب الواقع وحسب ما نرى يحصل فيها من الفساد والعصيان وانتهاك المحرمات ما الله به عليم ، فاتقوا الله ،هذه نذر ، فلنحاسب أنفسنا فربما يكون في الأيام القادمة شيء أشد من هذا ، فلنتق الله عز وجل فالمسلم العاقل يحرص على أن يربا بنفسه عن مواضع الهلاك ، يربا بنفسه أن يقع في مساخط الله عز وجل لأن العقوبة إذا نزلت ولم يحصل إنكار عمت على البشرية كلها فاتقوا الله ، هذه خاطرة يسيرة مرت بي وإلا فالحديث قد تحدث عنه في جُمَع سابقة فتأملوا لا سيما في هذين اليومين يحصل هذا الغبار فنسأل الله جل وعلا أن يلطف بنا ،
الخاتمة : ......
|