: خطب الجمعة
طباعة

  : خطب الجمعة
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (2)
 

 

 

 


هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (2)

لفضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري

www.albahre.com

 

الخطبة الأولى

أما بعد فيا عباد الله /

ما زال الحديث موصولا بحديثنا في الجمعة الماضية ، وموضوعنا في هذه الجمعة وكذلك الموضوع الذي في الجمعة الماضية يلتقيان في طريق واحد ألا وهو طريق الهجرة النبوية ، وكان حديثنا في الجمعة الماضية جرى حول بعض النقاط وحول بعض المواقف للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة ، من بينها أن شخصه الشريف استُهدف من قريش بتلك المؤامرات ، حتى همُّوا بقتله عليه الصلاة والسلام ، فخرج هو ورفيقه أبو بكر يوم الجمعة من مكة فدخلا في غار ثور ، فمكثا فيه ثلاث ليال فخرجا منه يوم الاثنين ، فسار عليه الصلاة والسلام وفي أثناء طريقه أتى على تلك المرأة أم معبد فجرى له ما جرى معها ومع شاتها ، ثم بعد ذلك تابعه ولحقه سراقة بن مالك فرجع سراقة بعد هذه الملاحقة بكنزين ، كنز في يده وكنز في سمعه ، الكنز الذي في يده: أنه أخذ كتاب أمن من النبي صلى الله عليه وسلم ، والكنز الذي رجع به في سمعه : تلك المقولة التي ما زالت ترن في أذن التاريخ ( كيف بك يا سراقة وقد لبست سواري كسرى ؟ )

عباد الله / لما رجع سراقة بعد ملاحقة النبي صلى الله عليه وسلم  (عطش عليه الصلاة والسلام فقال أبو بكر فأتينا على صخرة لها ظل ظليل ففرشت فروة كانت معي فاضطجع عليه الصلاة والسلام ، وإذا براعي يقدم مع غنم له فقلت له : لمَنْ أنت يا فلان ؟ فقال : لفلان ، فذكر اسمه ، ثم قال له : هل في شياهك من لبن ؟ قال: نعم ، فقال: هل أنت حالب ؟ قال: نعم ، فحَلِب لهما ، وكان مع أبي بكر أداوة من ماء عليها خرقة ، قال أبو بكر فصببت على اللبن ماء حتى برد أسفله ، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فشرب حتى رضيت ، بعدها انطلق عليه الصلاة والسلام مع رفيقه أبي بكر ) وكان أبو بكر رجلا معروفا ( فيقال له :  مَنْ هذا الذي معك يا أبا بكر ؟) فيقوم أبو بكر بالتورية فيوري فيقول (  هذا يهديني السبيل )  فيظن السائل أنه يهديه الطريق إلى المدينة وأبو بكر يريد أنه يهديه هداية الطريق في الدين ،

وفي مسيرهما ذلك / ( التقيا بالزبير بن العوام في ركب من المسلمين ،  فكسا الزبيرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه ثيابا بيضا ، وكان المسلمون في المدينة قد سمعوا بمخرجه عليه الصلاة والسلام ، فكانوا يغدون من الصباح إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، وفي يوم من الأيام لما انقلبوا بعد حر الظهيرة إذا بيهودي يقوم على حصن له فإذا به يبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعليهم تلك الثياب البيض ، فلم يملك هذا اليهودي إلا أن صرخ بأعلى صوته فقال ( يا معشر العرب هذا جَدُكم ) يعني حظكم ونصيبكم الذي تنتظرونه ،( فهرع المسلمون إلى السلاح واستقبلوا النبي صلى الله عليه وسلم )  وما يقال في هذه الحادثة أنهم قالوا  ( طلع البدر علينا من ثنيات الوداع )مصحوبة تلك الأناشيد بما يذكر ويروى أنها مصحوبة بالطبول والدفوف ، فلم يصح ذلك ، بل قال ابن القيم رحمه الله [ إن ثنية الوداع تكون لمن أتى من الشام إلى المدينة لا مَنْ أتى من مكة إلى المدينة ] بل طعن الألباني رحمه الله في سند هذه الرواية جملة وتفصيلا فقال [ قد سقط من إسنادها ثلاثة رواة تباعا فهي معضلة ]

( فلما استقبلوا النبي صلى الله عليه وسلم عدل بهم ذات اليمين فنزل في بني عمرو) وكان منزلهم في قباء ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، وبهذا نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمضى في هجرته أسبوعا كاملا (  فقام أبو بكر رضي الله عنه وظل النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا ) ولم يعرف البعض مَنْ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أبي بكر ( حتى اشتدت حرارة الشمس فقام أبو بكر يظلل النبي صلى الله عليه وسلم فَعُرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك ، فلبث عليه الصلاة والسلام في بني عمرو بضع عشرة ليلة ، وأسس مسجد قباء وصلى فيه ، ثم ركب راحلته والناس يسيرون خلفه حتى بركت في موضع وهو ( مِرْبَد ) موضع يجفف فيه التمر ، ( مربد لغلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا هو الموضع إن شاء الله تعالى ، فأُتيَ بالغلامين فساومهما النبي صلى الله عليه وسلم عليه ، فأبى أن يأخذا شيئا فأصر عليه الصلاة والسلام حتى ابتاعه منهما ، فطفق عليه الصلاة والسلام يبني معه أصحابه المسجد النبوي ، وكان عليه الصلاة والسلام في ثنايا بنائه قد ظل  كما جاء في المسند ( قد ظل في ضيافة أبي أيوب سبعة أشهر ) حتى بني المسجد ومن ثم بنيت الحجرات التي أقيمت حول مسجده عليه الصلاة والسلام ، وكان يحمل الحجر فيقول :

( هذا الحِمالَ لا حِمالَ خيبر )

لأنهم كانوا يحملون التُمور والثمار من خيبر ، هذا هو الحمالُ الحقيقي لأنه متعلق بالآخرة، أما حمالُ خيبر فهو متعلق بمصالح دنيوية

هذا الحمال لا حمال خيبر  ** هذا أبرُ ربنَا وأطــــــهر

اللهم إن الأجر أجر الآخرة  ** فارحم اللهم الأنصار والمهاجرة

عباد الله / هناك بعض الأسماء من الرجال والنساء والذين لهم صلة وثيقة ووطيدة بهذه الهجرة ، من بين هؤلاء النساء ، تلك المرأة التي قامت بشق نطاقها فربطت به على فم الجراب وهي أسماء ، ما الذي انتهى إليه أمرها ؟ هاجرت بعد ذلك فنزلت في قباء وكانت حبلى فوضعت فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ولدها ، فوضعه عليه الصلاة والسلام في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فمه فأول شيء دخل جوفَ الصبي ريقُ النبي صلى الله عليه وسلم ، وحنَّكه بتمرة وسماه عبد الله ، وهو عبد الله بن الزبير وهو أول مولود في الإسلام ، ومعنى أول مولود في الإسلام / أنه أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة

ويا ترى ما الذي انتهى إليه أمر الرفيق الكبير، كبير العقل، كبير الإيمان ، كثير التقى أبو بكر رضي الله عنه ؟ لما أتى إلى المدينة لم يناسبه جو المدينة فوعك وعكة شديدة فكان يقول بعدما تذهب عنه الحمى : 

كل امرئ مَصبَّح في أهله ** والموت أدنى من شراك نعله

وقد أخذت الحمى أيضا بلال بن رباح رضي الله عنه فكان إذا أقلعت عنه الحمى  رفع صوته قائلا يتغزل بأودية وجبال مكة فيقول :

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة  **  بواد وحولي إذخر وجليــل

وهل أَرِدَنْ يوما مياه مِجِـَّنة  ** وهل يبدونْ لي شامةُ وطفيل ؟

عباد الله / يا ترى ما الذي انتهى إليه أمر شأن تلك المرأة التي شاركت في إعداد طعام النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة وهي عائشة رضي الله عنها ؟ أمرها أنها دخلت على أبيها وعلى بلال وهما يوعكان بالحمى فذكرا ما ذكرا من الأبيات ، قالت ( فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال عليه الصلاة والسلام اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها وانقل حُمَّاها إلى الجحفة ) وتحققت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام رأى رؤيا  ( فقال رأيت امرأة سوداء ثائرة الشعر قد خرجت من المدينة إلى مَهيعَة ) ومهيعة اسم من أسماء الجحفة ، قال عليه الصلاة والسلام ( فأولتها أن وباء المدينة قد انتقل إليها )

ويا ترى ما هو حال تلك المرأة ؟ وما الذي آل إليه أمرها وهي تلك المرأة التي استضافها النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذرت لعدمٍ في ذات يدها ، تلك المرأة هي  أم معبد ؟

قال البيهقي وحسنها ابن كثير قال [ كثر غنمها بعد ذلك فجلبت جلباً إلى المدينة ، وكان معها ابنها فرأى ابنُها أبا بكر رضي الله عنه فقال يا أمي هذا هو الرجل الذي كان مع الرجل المبارك ، فأتته فسألته عن ذاك الرجل المبارك ؟ فقال هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقامت معه فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم وكساها وأسلمت ،

ويا ترى ما الذي انتهى إليه أمر من أخذ الكنزين في يده وفي سمعه سراقة بن مالك ؟

ذكر ابن اسحاق وغيره (  أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من غزوة حنين جاءه سراقة فقال هذا كتابك ، فقال عليه الصلاة والسلام يوم وفاء وبر ، ادنُ  فدنوت حتى أسلم سراقة رضي الله عنه ) قال ابن كثير [  ما قاله جيد ] انتهى كلامه .

ثم ما الذي آل إليه أمر الكنز الذي كان يرن في سمعه ؟ ذكر ابن حجر في الإصابة  ( أن عمر رضي الله عنه رضي الله عنه لما فتح بلاد فارس ، قال أين سراقة بن مالك ؟ قال ها أنا ذا ، قال تقدم فلما قدم عليه ألبسه سواري كسرى ، تحقيقا لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم، ويا ترى ما هو حال الصحابة مع هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ كان حالهم رضي الله عنهم أنهم جعلوا هذه الهجرة دليلا وعنوانا وشعارا  لهم على التاريخ ، ففي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه احتاج إلى أن يكتب وإلى أن يدون الدواوين فقال سهل بن سعد كما في صحيح البخاري ( ما عدوا ) يعني التاريخ ( من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم إنما عدوا من مقدمه إلى المدينة ) وهو عليه الصلاة والسلام لم يقدم إلا في شهر ربيع الأول، ومع ذلك اتفق الصحابة على أن تكون السنة الهجرية بدايتها من شهر محرم ، لماذا ؟ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المُحرم كما أشار بذلك عمر وعثمان في السنة السابعة من الهجرة ، ولأن شهر محرم هو الشهر الذي يعقب منصرف الحجيج من حجهم ، هذا هو حال الصحابة مع الهجرة النبوية للنبي عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك لم يكن حالهم أنهم كانوا يحتفلون بها أو يهنئون بها أو يخصصون عبادات بمناسبة انتهاء الهجرة النبوية ، لم يحصل هذا ، لأن التاريخ الهجري لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن في عهد أبي بكر وإنما كان في عهد عمر ومع ذلك لم يخصصوا نهاية العام الهجري بعبادات كما يفعله البعض عبر رسائل الجوال يرسلون رسالات يتواصون فيها على صيام آخر يوم من أيام السنة الهجرية ، أو يهنئون بمناسبة  حلول العام الهجري الجديد ، كل ذلك - عباد الله - من البدع ، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين ( مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وفي رواية مسلم ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) إنما الواجب عليك يا مسلم أن تتأمل في هذه الهجرة وأن تنظر إلى هذه الأعوام وإلى هذه السنوات وإلى هذه المواسم كيف تمر سريعا ؟ هذا هو المتأمل البصير ذو الرأي الحصيف، أن يدرك أن السنين تمضي من حياته ومن ثم يزول عمره ، نعم ما أن يبزغ وأن يظهر عام جديد حتى يقال إن عامكم هذا الذي قد استقبلتموه قد آن أن يودعكم ، قد آن أن يظعن وأن يرتحل عنكم ، فسرعة انقضاء الأعوام والسنين في هذا الزمن ملفتة للانتباه جِدُ ملفتة وهذا هو ظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند وسنن الترمذي ( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ، ويكون الشهر كالجمعة ) يعني كالأسبوع ( وتكون الجمعة كاليوم ، ويكون اليوم كالساعة ، وتكون الساعة كالضرمة بالنار ) أي كنبت سريع الاشتعال ، وما قاله عليه الصلاة والسلام يلحظه ويقف عليه مَنْ عنده تفكر وتأمل ،

إذاً نخلص بهذا إلى أن هذا العام قد آن أن يودع الناس ، قد آن أن يرحل ، أهكذا فقط ؟ لا والله ، سيرحل وسيحمل في طياته أقوالا وأعمالا ، تلك الأقوال ، تلك الأعمال تتفاوت والله من حيث القلة والكثرة ، ومن حيث الخبث والطيب فلم يبق على ذهابه  إلا ليلة واحدة فالواجب على العقول والقلوب أن تقف وأن توقف النفوس معها وأن تتأمل كيف تمضي السنوات سريعا ؟! فتنظر -عبد الله- إلى تلك الأعمال التي قدمتها في هذه السنة أهي صالحة فتتابع المسير ؟ أم هي غير ذلك فتتدارك نفسك ؟ نعم ،

يا غافلا وله في الدهر موعظةٌ  ** إن كنت في سِنة فالدهر يقظانُ

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على الله {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } ) وقال الحسن البصري رحمه الله ( إنما خف الحساب على مَنْ حاسب نفسه في هذه الدنيا ، وإنما شق الحساب على مَنْ أخذ هذا الأمر من غير محاسبة ، قف كما يقف التاجر الحصيف ) وقد تكون تاجرا تغلق في نهاية السنة مؤسساتك ومحلاتك ، وهو ما يسمى بـ[ الجرد السنوي ]  تنظر إلى ديونك إلى دخلك أأنت رابح أم خاسر ؟ فكيف بحياتك الحقيقية ؟ الحياة الحقيقة هي والله هناك هي الدار الآخرة ، ( قف كما يقف التاجر الحصيف عند رأس كل سنة) أي وربي إنها اثنا عشرة شهرا مضت من حياتك تالله وبالله ووالله لو اجتمع الناس كلهم ، لو اجتمعت الدنيا بأسرها على أن تعيد إليك نفسا من حياتك ما استطاعت ، فقدر هذا في نفسك غاية التقدير وشمر عن سواعد الجد ، عد بالذاكرة إلى الوراء قليلا قبل شهر أو شهرين أو ثلاثة أو في مطلع هذه السنة وتذكر كم من جنازة صليت عليها ؟ كم من ميت في هذا العام ؟ كم من شخص كنت تمازحه ،  كنت تداعبه، كنت تأكل معه أين هو الآن ؟ قد واراه التراب ، أفتطمع بعد ذلك بالبقاء ؟ هيهات هيهات ،

الموت لا والدا يُبقي ولا ولدا  **  هذا السبيل إلى ألا ترى أحــدا

مات النبي ولم يبق لأمــته  **  لو خلَّد الله خلقا قبله خـــلدا

للموت فينا سهامٌ غيرُ خاطئةٍ  **   مَنْ فاته اليوم سهم لم يفته غدا

إن صليت اليوم على جنازة فسيصلى عليك في المستقبل ، إن دفنت جنازة فستدفن في المستقبل ، إن واريت أحدا بالتراب فستوارى بالتراب في المستقبل ، كم من شاب كم من فتى في ريعان فتوته في ريعان شبابه قد أخذته المنية ؟ بل كم من طفل وليد سُل من بين أحضان والديه ؟   أفتطمع  بعد ذلك بالبقاء ؟!

حكم المنية في البرية جاري  **  ما هذه الدنـيا بدار قرار

بينا يُرى الإنسان فيها مُخبِرا  ** حتى يُرى خبرا من الأخبار

قد تخبر عن وفاة شخص من الناس وسيخبر عنك في المستقبل القريب أنك مِت ، وصدق أبو العتاهية حيث قال :

بين عيني كل حي علم الموت يلوح  ** نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح

لتموتن وإن عُمِّرت ما عمر نوح

نوح كم عُمِّر ؟ قال ابن كثير رحمه الله في [ البداية ] قال [ إن كان ما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما محفوظا  ( من أن نوحا بعث وله أربعمائة وثمانون سنة ، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة)  ، فيكون قد عاش نوح على هذا الحساب والتقدير يكون قد عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة ] انتهى كلامه رحمه الله ، ولهذا لما سئل نوح كما أثر عنه ( كيف هذه الدنيا ؟ وكيف هذا  العمر المديد الطويل كيف قضيته ؟ قال كدار ) يعني كحجرة ( كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر )

{يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } هكذا فقط ؟ { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ } { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} هكذا فقط ؟  لا ، { لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ{190} الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }  في صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام لابن عمر رضي الله عنهما ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) تصور لو أن شخصا غريبا عن بلدته قد طاب له المقام في هذه البلدة وأحب أن يبني فيها وأن ينشئ فيها أهذا هو اللائق به ؟ لا والله ، بل إن الغريب يتحين الفرصة السريعة حتى يعود إلى وطنه ، حتى يعود إلى أهله ، ووطننا جميعا ، مقامنا جميعا هناك في الدار الآخرة ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )

فاعمل لنفسك في حياتك صالحا ** فلتندمن غدا إذا لم تفعل

{ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } في هذه الدنيا .....

عش ما بدا لك سالمـا ** في ظل شاهقة القصــور

يُسعى عليك بما اشتهيت ** لدى  الرواح ولدى البكور

فإذا النفوس تقعقــعت ** في ضيق حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقنــــا ** ما كنت إلا في غـــرور

 

الخطبة الثانية

أما بعد فيا عباد الله /

إن من أعظم البلايا وإن من أعظم المصائب أن يصاب الإنسان في دينه وأن تمر عليه السنوات السنة تلو الأخرى وهو لا يتغير ولا يصلح من حاله ، وهذه مصيبة وبلية تستدعي أن يعزي الإنسان فيها نفسه،  فهل هناك أعظم من المصيبة التي تورث الغفلة بحيث يفقد الحس فلا يعي ما يجرى من حوله ؟ الكثير يستحث الأيام أن تأتي وذلك بإضاعة الأوقات ، كقول البعض :  تعال بنا نضيع الوقت ، نقتل الفراغ ، ومن قتل وقته قتل حياته وهو لا يشعر ، بل إن الكثير منا يتشوف إلى أن تدنو الأيام منه حتى يتقاضى مرتبه ،

يَسُر المرءَ ما ذهب الليالي ** وكان ذهابهن له ذهابا

ولا ندري أن كل يوم يمضي لا سنة تعتبر مرحلة تقربنا إلى الآخرة ، كم مات من عظيم في هذا العام ؟ كم افتقد من أخيار وأبرار ؟ كم افتقد من فساق وفجار ؟ أعداد هائلة يخبرك عنها أئمة المساجد الذي ترتاد مساجدهم الجنائز ، سلهم وستعلم أن ما نزل بغيرك سينزل بك لا محالة الآن أو بعد آن ،

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  ** يوما على آلة حدباء محمول

فإذا حملت إلى القبور جنـازة  **  فاعلم بأنك بعدها محــمول

ولكن والله ما بعد الموت هو الاختبار والامتحان هو المحك الحقيقي هو المنعطف الأخير الذي مَنْ أجاب فيه على الأسئلة الثلاثة ( مَنْ ربك ؟ – مَنْ نبيك  ؟ – ما دينك ؟ ) فقد أفلح وفاز ، ومَنْ تعثر به لسانه ندم ولات ساعة مندم ، لأنه فرق عظيم بين صنفين من الناس صنف مَنْ إذا مات حزنت عليه القلوب ، بكت عليه العيون ، أثنت عليه الألسن ، وصنف آخر إذا مات لا يحزن لفراقه قلب ، ولا يتألم لبعده فؤاد ، ولا يترحم عليه لسان ، شأن من عاش في هذه الحياة لا رسالة له ، لا هدف له ، عاش منحرفا، ضالا ، ممن قال فيهم الشاعر :

فذاك الذي إن عاش لم ينتفع به  ** وإن مات لم تحزن عليه أقاربه

فلتهن البشرى ، مَنْ كان الآن تحت أطباق التراب وقد خلَّف أعمالا صالحة يتصبب عليه من حسناتها ، كأن يترك علما نافعا ، أو أثرا طيبا ، أو ذرية صالحة حسنة أحسن في تربيتها ، مما دعا بعض الشعراء إلى أن يقول :

دقات قلب المرء قائلة لـــه  ** إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها  ** فالذكر للإنسان عمر ثاني

يقول عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الحسن الذي حسنه الألباني رحمه الله عند ابن ماجة قال عليه الصلاة والسلام ( إن مما يلحق المؤمن بعد موته من عمله علما نشره،  أو ولدا صالحا تركه ، أو مصحفا ورثه ، أو مسجدا بناه ، أو نهرا لابن السبيل أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته ) وعلى النقيض ، على العكس من ذلك فلتعلو الحسرة والندامة والخزي والشنار والنار مَنْ مات ، مَنْ جاءته المنية وهو تارك للصلاة ، أو خلَّف أعمالا أثيمة كمن يكتب في الصحف،  يكتب مقالات يطعن فيها في الدين ، أو يتحدث عبر القنوات يذم هذا الدين ، أو ترك أفلاما أو شرائط أو مجلات أو أفلاما خليعة والتي بقيت تعمل ويسري خبثها ودناءتها في إفساد العقول والقلوب ، ما أنكد حظهم ؟ ما أتعس حياتهم ؟ مما دعا بعد الصالحين إلى أن يقول [  طوبى إلى من إذا مات ماتت معه ذنوبه وويل ثم ويل ثم ويل لمن يموت وذنوبه باقية من بعده ]

فيا أخي العزيز/  تمثل بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند ( اغتنم خمسا قبل خمس ) اغتنم ، غنيمة ، فرصة ، سانحة اغتنمها     ( اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك – وصحتك قبل سقمك – وفراغك قبل شغلك – وشبابك قبل هرمك – وغناك قبل فقرك ) وكان ابن عمر بعد وصية النبي صلى الله عليه وسلم له ،  لما كان عليه الصلاة والسلام قد قال له( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) فكان لسانه يلهج بهذه الوصية فكان يقول ( إذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح )

فيا عبد الله / ها هي ذي أيام ذي الحجة قد لوحت بأعلامها معلنة ،  مؤذنة،  صارخة بالرحيل وعلى الجانب الآخر القلوب تهفوا لاستقبال السنة الجديدة،

فواجب عليك أُخيّ /  أن تُري الله من نفسك خيرا ، وأن تعقد العزم على أن تتوب وأن تنوب وأن ترجع إلى الله وأن تحسن من حالك في طاعة الله وأن تستقبل هذا العام الجديد بباقات من العمل الصالح الذي يرفع درجاتك في قبرك وفي آخرتك ،

الخاتمة : ....

 

حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ زيد بن مسفر البحري . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.albahre.com . All rights reserved

info@albahre.com